أبُو القاسم الشابي، تأمّلاتٌ على قَبَسٍ مِنَ الشِّعْرِ لمْ يُذهِبِ المَوتُ ضياءَه

عادل بوراوي

مستشار مدير العام الإيسيسكو

مكلف بمراكز الإيسيسكو الخارجية وكراسيها الجامعية في مجال اللغة العربية للناطقين بغيرها

"إنِّي أنا النَّايُ الّذِي لا تنْتَهِـــي -- أنْغَامُهُ ما دَامَ في الأحْيـــاءِ

وأنا الخِضَمُّ الرَّحْبُ ليْسَ تَزِيدُهُ -- إلاَّ حَياةً سَطْوَةُ الأنـــْـــــوَاءِ"

بِهَذِهِ الكلِمَاتِ رَسَمَ أبُو القاسِم الشّابي مَلامِحَ مُهْجَةٍ شاعِرٍ لمْ تَعْرِفِ الانْدِحَارَ في مُواجَهَةِ مَوْتٍ مُخَاتِلٍ مِنْ داءٍ عَنِيد. حَلَّتْ رَزِيَّةُ المَنِيَّةِ في لَيْلَةٍ حَزينَةٍ مِنْ خَرِيفِ عامِ ألفٍ وتِسعِمائةٍ وأربعةٍ وثلاثين (1934) لِتَنْتَهِيَ رِحْلَةُ مُبدِعٍ فَذٍّ لمْ يَتَجَاوَزِ الخَامِسَةَ والعِشرين رَبِيعاً. سَلَبَتِ المَنِيَّةُ أبَا القاسِم حياتَهُ، لَكِنَّهَا لَمْ تُخْرِسْ نَايَهُ الّذِي تَصَاعَدَتْ مِنْ دِيوَانِهِ الخَالِدِ "أغاني الحياة" أنغامُهُ الجَيّاشَةُ بِحُبِّ الحَيَاة.


ظَلَّ ابْنُ تونِسَ الجَمِيلَة، وشاعِرُها الفَرِيدُ الأشْهَرُ عَلى مَرِّ العُصُور، مُتَيّماً بِحُبِّ وَطَنٍ يَتُوقُ إلى التَّحَرُّرِ مِن الاستعمار الفرنسيّ ومُتَطلِّعاً إلى شَعْبٍ يَرَى فِيه صُورَةَ آمَالِهِ، تَصْفُو حِيناً ويُصِيبُهَا الكَدَرُ أحْياناً:


"أنا يا تونِسُ الجميلةُ في لُــــجِّ -- الهَوَى قد سَبَحْتُ أيَّ سِبَاحَه

شِرْعَتِي حُبُّكِ العَمِيقُ وإنِّــــــي -- قدْ تَذوّقتُ مُرَّهُ وقَرَاحَــــــــــــهْ"


وُلِد اِبْناً بِكْراً في بيْتِ أدَبٍ وعِلْمٍ وسَلِيلاً لِأُسْرَةِ "الشَّابِّيَّه" في تُوزَر مَدينةِ الوَاحاتِ بالجَنوبِ التُّونِسيّ. وتكثَّفَت حياتُهُ القصيرةُ زَخْماً فَيّاضاً مِنَ التجارِبِ والرُّؤى على جَناحِ التَّرْحالِ مع أُسْرتِهِ ووالِدِهِ القاضِي الشَّرْعِيّ الّذِي عَمِلَ في عَددٍ مِن مُدُنِ تونِس، فمِنْ واحاتِ تُوزَر الوارِفَةِ ظِلَالُها إلى جَبلِ زَغْوَان بِشُمُوخِهِ وكِبْرِيائِهِ، ومِنْ سُهُولِ الشَّمالِ التُّونِسِي وغاباتِه وحدائقِهِ الغَنّاء إلى تِلاَلِ تَالةَ وثُلُوجِها وصُخُورِهَا الرُّخامِيّةِ الصَّمَّاء.

وحيثُما أقامَ شاعِرُنا، رسَمَ بأبياتِه البَديعةِ أجْمَلَ اللَّوْحاتِ عنْ عالَمِ الطَّبيعَةِ الأخَّاذ:


"أَقْبلَ الصُّبْحُ جَميلاً يَمْلأُ الأُفـْــــقَ بَهـَـــــــــــــــاهْ

فتَمَطَّى الزَّهْرُ والطيْرُ وأمْـــــواجُ المِيـــــــــــــــــاهْ

قدْ أفاقَ العالــَــــمُ الحَيُّ وغَنّى لِلْحَيــــــــــَــــــاه

فأفِيقِي يا خِــــرَافِي وهَلُمِّي يا شِيـــــَـــــــــــــاهْ"


ولِأنّه جَعلَ قَصائِدَهُ تُرْجُمَاناً لِأشْوَاقِ البَشَرِيَّةِ العَارِمَةِ إلى فِرْدَوْسِها المَفْقُود ووَجيبِ حَنينِهَا إلى طُهْرِ كَيْنونَتِهَا الأُولَى وتَوْقِها إلى وُجُودِهَا السَّرْمَدِيّ، فَقَدْ عَانَقَ شِعْرُهُ آفاقَ العَالَمِيَّة، وتَردّدَتْ في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها أبْياتُهُ الخالِدَة تَسْتَنْهِضُ هِمَمَ الشُّعُوبِ جَميعاً:

"إذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحَيــــــَاة -- فلا بُدَّ أنْ يستجيبَ القَدَرْ

ولا بُدَّ لِلَّيْلِ أنْ يَنْجـــــَـــــــــــــلِي -- ولا بُدَّ لِلْقَيْدِ أنْ يَنْكَسِــــــرْ"


أبو القاسِم الشّابي الإنْسَانُ، فَيْضٌ مَدِيدٌ غَزيرٌ مِنَ الإبْدَاعِ في عُمْرٍ قَصِير. ولَفِيفٌ مِنْ قَرائِحِ الشُّعَراءِ اجْتَمَعَتْ في شَاعِرٍ فَذٍّ لَمْ يكَدْ يَستقِرُّ بِهِ المُقامُ حتَّى مَضَى وارْتَحَلْ:


"أنتَ يا شِعْرُ فَلْذَةٌ مِنْ فُؤادِي -- تَتغَنَّي وقِطْعَةٌ مِنْ وُجُودِي

فِيكَ مَا في جَوانِحِي مِنْ حَنينٍ -- أبَدِيٍّ إلى صَميمِ الوُجـُـودِ"


علَى مَرايَا قَصائِدِهِ ارْتَسَمَتْ بِسَنَا بَريقٍ شِعْريٍّ يُوقِظُ البَصائِرَ ويَخْلُبُ الأبْصارَ مَلامِحُ الشِّعْرِ المَلْحَمِيّ والرُّومَنْسِيّةِ المُتَطَهِّرَة وإيقاعَاتُ التَّراتِيلِ المُقدَّسَةِ في مِحْرابِ الطَّبيعة:

"في سُكُونِ اللَّيلِ لَمّـــــــــا -- عانَقَ الكَوْنَ الخُشُوعْ

واخْتَفى صَوتُ الأمــَـانِي -- خَلْفَ آفاقِ الهُجــُـوعْ

رَتّلَ الرَّعْدُ نَشيـــــــــــــداً -- رَدَّدَتْهُ الكائِنـــــَــــــاتْ

مِثْلَ صوْتِ الحَقِّ إنْ صَا -- حَ بأعماقِ الحَيــــَـــاةْ"


وفي قصيدتِهِ الشَّهيرةِ "نَشيدُ الجَبَّار" تَجَسَّمَتْ رُوحُ الثورةِ والتَّحدِّي والشُّمُوخ في كلِمَاتٍ مُدَوِّيةٍ بِوَقْعٍ مَلْحَمِيٍّ شَدِيد:


"سأعِيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأعْـــــــدَاءِ -- كالنَّسْرِ فَوْقَ القِمَّةِ الشَّمـَّاءِ

أرْنُو إلى الشَّمْسِ المُضِيئَةِ هَازِئاً -- بِالسُّحْبِ والأمْطَارِ والأنْوَاءِ"


وعلَى لَظَى تَجرِبةٍ وُجُودِيّةٍ عَميقةٍ وَوَقْعِ صِراعٍ لاَزَمَهُ بيْنَ الأمَلِ والقُنُوطِ، انْصهَرتْ لدَيْهِ وتآلفَتْ مَعَانِي الحَياةِ والمَوْت، فلَمْ يَعُدْ أحَدُهُمَا نَقِيضاً لِلْآخَر:


"وإنْ جَرَفَتْني أَكُفُّ المَنــــُـــــونِ -- إلى اللَّحْدِ أو سَحَقَتْكِ الخُطُوبْ

فحُزْنِي وحُزْنُكِ لاَ يَبْرَحـــــــَـــانِ -- ألِيفَيْنِ رَغْمَ الزَّمانِ العَصِيـــــــبْ"


ظلَّ أبو القاسم الشابي حتَّى آخِرِ نَفَسٍ في حياتِه القصيرةِ صادِعاً بدَعْوةٍ حَرَّى إلى الحُريةِ التي هي جوْهرُ الوُجودِ الإنسانيِّ وإلى الانعتاقِ مِن قُيودِ التقليدِ والجُمودِ والخُنوع:


"خُلِقْتَ طَليقاً كَطَيْفِ النَّسيم وحُرًّا كَنُورِ الضُّحَى في سَمـــَـــاهْ

تُغَرِّدُ كالطَّيْرِ أيْنَ انْدفَعــْــــت وتَشْدُو بِما شاءَ وحْيُ الإلـــــــــهْ

كذا صاغَكَ اللهُ يا ابْنَ الوُجُود وألْقَتْكَ في الكَوْنِ هَاذِي الحَيَاهْ

فمَالَكَ تَرْضَى بِذُلِّ القُيـــُــــود وتَحْنِي لِمَنْ كَبَّلُوكَ الجِبــــَــــــــاهْ؟"


وما تزال دَعْوتُهُ إلى الحريةِ حَيةً مُتوهِّجةً مُتجدِّدة على الدّوام، ويَظَلُّ أبو القاسم الشابي حَيّاً بشِعرِهِ بَيْننا وبيْنَ شُعوبِ العالَم، تَتردَّدُ أصْداءُ صَوتِهِ في جَنَباتِ الوُجودِ وفي حياتِنا وحياةِ الأجيالِ القادِمَة "مِثْلَ صَوتِ الحَقِّ إنْ صاحَ بأعْماقِ الحَياة".

رَحِمَ اللهُ أبا القاسم الشابي شاعِرَ تونس الخَضْراء.

219 views0 comments