التجلي القدسي للأشجار: " زيتونة ازواغز بفريانة " امتداد لمعتقدات الروح الأخضر

د.محمد الناصر الطيب صديقي

أستاذ التاريخ الوسيط بالمعهد العالي للعلوم الانسانية بجندوبة / تونس


المقدمة : كانت الشجرة ومازالت ترمز إلى الحياة فهي كالطفل تنمو ثم تتكامل بنيتها و قامتها النهائية. لذلك اعتبرها القدامى رمزا للخلود و غالبا ما صورها المخيال البشري القديم في بلاد ما بين النهرين و في مصر القديمة و إيران بين حيوانين متقابلين ، أسدين ، ثورين تيسين لحمايتها و لجنى ثمار تلك الشجرة يجب قتل أو التخلص من الحارسين الذائدين عن الشجرة و ثمارها باعتبارها شجرة الكون و رمز الخلود فالنباتات في إيقاعاتها الرمزية تكتسب تجددا وقوة خالدة و سلامة جسمانية و خلودا أبديا لذلك فان ثمرة شجرة الكون أو الحياة لا يمكن الحصول عليها إلا بعد صراع مرير بين الذادة و المتلهفين على لتلك الثمرة السحرية المانحة للخلود و الحكمة و القدرة الكاملة لتحويل الناسوتي إلى لاهوتي.

إذن فصورة الشجرة باعتبارها رمزا كونيا تعبر عن الحياة و الشباب و الخلود و الحكمة أسوة ببقية الأشجار في حضارات الشرق القديم و غيرها من بقاع العالم. لذلك فان المخيال البشري اعتبرها ركنا أساسيا في تتويج و ارتقاء الآلهة و أنصافها و الأبطال و أصحاب الكرامات على مر التاريخ الإنساني. وهذا ما يتجلى لنا في المخيال الجمعي عند سكان مناطق عدة في اعتقاداتهم عن بعض الأشجار و خاصة شجر الزيتون و نسجهم قصصا حاكها حسهم الروحي مدعما بما تصورته ميتافزيقية الأجداد عن ذلك التجلي القدسي للأشجار. وهذا ما يدفعنا إلى تدعيم قناعات راسخة في انفتاح الفرد عند النوائب و الشدائد على معتقدات الأجداد بحضورهم الدائم في ما هو مسكوت عنه و كل كائن تاريخي يحمل في ذاته قسما كبيرا من إنسانية ما قبل التاريخ.


xحفر في قدسية الأشجار - I

1- عند القدامى :

عبد الإنسان منذ بدأت تتبلور أفكاره عن الحياة و الكون القوى الروحية للطبيعة و منها الشجرة بما عنته من حياة و تجدد و قوة ثابتة فالشجرة هي رمز لمجمل الطبيعة و حتى الكون لذلك وجه عبادته لها كشكل نحو الروح الكامنة فيها و منها انبثقت "عشتار" في شكلها الآدمي بما فيه من جمال و أنوثة فكانت مجسمة في جذع شجرة و أصبحت تعبد في بعديها التجسيمي و الروحاني الإنساني حيث تحولت بعد ذلك من هذا المجسم الشجري الخشبي إلى أن تكون في التماثيل الرخامية في واجهة المعابد و مع ذلك لم تفارقها الشجرة.

إذن فالشجرة في الحضارات المتقدمة هي رمز العالم لكنها بالنسبة إلى الحس الديني عند القدامى هي العالم، حيث تعيد تكراره و تختصره و في الوقت نفسه ترمز إليه.

وهدفنا من هذا البحث في عمليات توغلنا عبر الزمن الماضي هو معرفة البدايات الأولى لتشكل و تطور الأفكار الدينية المرتبطة بالأشجار و إخضاعها للمحك الانثروبولوجي و ربطها بما هو ممارس في أيامنا هذه.

فالشجرة تشكل محورا أساسيا في عقائد الإنسان القديمة و في الغالب نجدها مصورة بين حيوانين يأكلان منها أو يتطلعان إليها بارتياح و طمأنينة ثم في مرحلة لاحقة أصبحنا نراها بين مجسمين لكائنين يجمعان بين صورتي الإنسان و الحيوان. لقد خلد فن الشرق الأدنى القديم ( العراق، سورية الكبرى، مصر، إيران، الأناضول) الشجرة من خلال معالجته لموضوع شجرة الحياة مجسما للربة عشتار الخضراء في أشكال ترمز إلى استمرارية تلك الروح الخضرة المتجددة وديمومتها التي يمثلها الإله البابلي تموز و الربة عشتار التي جسدتها الأعمال الفنية القديمة بشكل زخرفي تبسيطي جميل حيث تظهر عشتار و عن يمينها و يسارها مخلوقات خرافية تحرسها و تتعهدها بالرعاية.

إذن فصورة الشجرة لم تنتخب لترميز "الكوزموس" فحسب، و إنما أيضا لتعبر عن الحياة و عن الشباب و الخلود و الحكمة كما مر بنا، و إلى جانب الشجرات الكونية التي عرفتها منطقة الشرق الأدنى القديم و بلاد الإغريق فإننا نجدها في عدة أقاليم صينية :

فحسب الميثيولوجيا المحلية عند الصينيين فان عبادة إله الشجرة عادة قديمة عندهم و تقول المخطوطات القديمة إن التنين هو تجسيد لإله الشجرة. الشكل الأصلي للتنين شجرة ضخمة دائمة الخضرة مثل الصنوبر و لا غروان عبادة الصينين للتنين هي انعكاس لعبادتهم اله الشجرة. فالكثير من المعابد و البنايات القديمة في الصين بها الكثير من الأشجار القديمة، ذلك أن الديانات الصينية تعتقد أن للنبات حياة وروحا مثل الإنسان تماما. وفي الطاوية (و هي من ديانات الصين ) دعوة إلى زراعة النبات، و لذلك تصبح الأشجار التي غرسها المشاهير بأيديهم في المعابد الطاوية مقدسات للطاويين. و في معظم المعابد توجد عادة مساحة مخصصة لغرس الزرع فيأكل من ثمرها الرهبان و تكتب على أوراقها الأسفار المقدسة.

وشجرة الحياة هذه التي مثلتها في الميثيولوجيا اليونانية الرومانية الشجرة الضخمة القائمة وسط غابة " ديانا – ارتميس "، هي التي تظهر مجددا في مركز الجنة التوراتية التي غرسها " يهوه" " وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا، ووضع هناك آدم الذي جبله و انبت الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل، و شجرة الحياة في وسط الجنة و شجرة معرفة الخير و الشر". وشجرة الحياة التي ولد منها "ابن الأم السورية الكبرى عشتارت" هي التي ترعى أيضا ميلاد " الأم السورية الكبرى مريم " و ذكر القرآن قصة ولادة السيدة مريم بالمسيح " فجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا و كنت نسيا منسيا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا " وهي نفسها التي أصبحت عند النصارى شجرة الميلاد حيث تزدان بها بيوتهم في مواسم ميلاد السيد المسيح و تزين بالشموع و الأضواء التي ترمز إلى الأجرام السماوية المنيرة للكون. ذلك أن شجرة الحياة، هي في الوقت نفسه شجرة و سيدة السماوات المعتمدة، التي تتعلق مصابيح الكون بصدرها تعلق الشموع بشجرة الميلاد.

و يمكن القول أن كل الأشجار و النباتات مقدسة حيث كان جذع الشجرة لدى الكنعانيين ينصب في محراب "الأم الكبرى عشتاروت" و تقدم له فروض العبادة باعتباره تجسيد الآلهة الطبيعة. وقد ورد ذكر هذا الجذع في العهد القديم ( التوراة). و يعود كل ذلك إلى أنها تجسد النمط البدائي l’archetype و الصورة المثالية للنبات و كذلك فان قيمتها الدينية هي التي جعلت منها نباتا معنيا به و مجنيا.

و الاعتقاد بتجسيد الشجرة لروح الخصب قد استمر عند حضارات أخرى و بإشكال مختلفة.


2- عند العرب و الامازيغ :

في تاريخ المنطقة المغربية و العربية عبدت الأم الكبرى مجسدة في شجرة الحياة و ما ترمز إليه من خصوبة و ديمومة فقد كان سلوك أجدادنا من الامازيغ في بلاد المغرب تجاه الطبيعة و عناصرها سلوكا ايكولوجيا حيث يكن الإنسان الامازيغي إجلالا و تقديرا خاصا للنبات و الأشجار و يزخر الموروث الديني الامازيغي قبل الإسلام بالعديد من الطقوس و المعتقدات المرتبطة بالأشجار و الظاهران هذه المعتقدات و الطقوس التي ما زالت تمارس في بعض مناطق القبائل الامازيغية و بشكل أدق في سوس ماست حيث موطن قبيلة ماست البربرية وهم من بربر الجنوب في بلاد المغرب مرتبطة بالممارسات الموروثة.

فالذاكرة الجماعية لتلك المجتمعات البربرية ما زالت تولي أهمية لذلك الموروث المتأصل في سلوكيات الأهالي فبالرغم من الأسلمة و انتشار التدين السني " الارثوذوكسي " إلا أن الإنسان الامازبغي عمل على تكييف معتقدات الأجداد مع الشعائر الإسلامية . في عملية توفيق بينهما. فترسخ الإرث الثقافي القديم يبقى قويا في الذاكرة الجماعية و في الممارسات اليومية من تسلط القائمين على الشعائر الجديدة و تصديهم لما هو مخالف و بدعوى حسب وجهة نظرهم و لكن حسب اطلاعنا على نوعية التدين بين صفوف أجدادنا من الامازيغ نجده اقرب إلى المسلك الصوفي المتصالح مع الخصوصيات الاجتماعية الأصيلة للأهالي و القابل للأخر بشكل تسامحي و هذا ما يجعل تكييف المؤمن الامازيغي لمعتقدات أجداده مع المرجعية المالكية الإسلامية ناجحا و متواصلا إلى الآن.

إذن آمن الإنسان الامازيغي في بلاد المغرب قبل الفتح الإسلامي بـ " شجرة الحياة " و لم تكن هذا الإيمان و ما تبعه من طقوس يعود إلى فترة قديمة بل يبدو أنه ينتمي إلى زمن ابعد بكثير من العصور القديمة فهو مرتبط بعقيدة الإنسان الأول في عناصر الطبيعة و عقيدته في الروح الكامنة في الأشجار.

وبما أن المجتمع الماستي لا ينفي من حيث الممارسة الطقوسية المعتقدات الشعبية الضاربة في القدم فإننا نجدها في شدة تعلقهم بـ " شجرة أركان " حيث عملوا على المحافظة على بقاء هذا النوع من الأشجار منذ أزمنة غابرة . ولم تقتصر هذه المحافظة على الجانب البيولوجي بل تعدته إلى الأهازيج و الأغاني الشعبية التي يمدحون فيها هذه الشجرة المقدسة. وتتجلى قدسية هذا النوع من الأشجار في اتخاذ الأهالي لها فضاءات مقدسة لممارسة طقوس الزواج و تقاليده. لما تعنيه الخضرة في المخيال الجماعي عند الامازيغ من مبعث للبهجة و الفرح لذلك عملوا على إيجاد شجرة أو مجال نباتي معين في البيوت كما أن الخضرة ترمز إلى الخصب و التناسل البشري لذلك أقيمت في حرمها حفلات الزواج. و العجيب الغريب أن أضرحة الصلحاء و المعتكفين كانت مجالا حيا و خصبا لتنامي معتقدات الناس في الأشجار القديمة و التبرك بها خاصة تلك الموجودة في المرتفعات حيث انقطع هؤلاء الصلحاء عن الحياة المدنية. فكان كل مجالهم حرما مقدسا و بالتالي نالت الأشجار المعمرة قدسيتها من قداسة هذا الولي الصالح.

أما في شبه جزيرة العرب في الفترة السابقة لظهور الإسلام فقد قدس العرب الأشجار و صبغوها بهالة من المعتقدات الأسطورية و قد خصوا أنواعا من هذه الأشجار دون غيرها.

بقدسية مميزة من بينها الطلح و السمر و العشر. وقد حفظت لنا كتب الأخبار قصصا عديدة عن الأشجار المقدسة عند العرب لا بد من الإشارة إلى أن معتقدات أجدادنا في شبه الجزيرة العربية ما هي إلا نموذج أخر عن عبادة روح الغاب و الأم الكبرى مجسدة بالشجرة التي عرفت عبادتها في حضارات الجوار في منطقة الهلال الخصيب.

بما توحي إليه من رمزية روحية باعتبارها عقيدة العرب في روح الغاب.

من ذلك نذكر " ذات أنواط " شجرة الحجاز المقدسة أو نخلة نجران في بلاد اليمن، إذن كانت للعرب أسوة بجيرانهم من الأمم و الحضارات السامية المجاورة اعتقادات لأشجار قدسوها و عظموها و خصصوا مواسم معينة للاحتفاء بها. بإقامة طقوس معينة لها.

و إن كانت معلوماتنا عن ذلك قليلة فلأن المؤرخ الإسلامي كتب عن الحقب السابقة للإسلام " الجاهلية " في أغلب الأحيان بشكل إقصائي و تغييبي للأخر و عقائده ناهيك عن تأخر وصولها إلينا. ولكن المهم بالنسبة إلينا أن العرب قدست الأشجار و عظمتها. ومن الأشجار التي شاعت عند أصحاب السير و الأخبار نذكر " نخلة نجران " و سدرة " ذات أنواط " - نخلة نجران : إن عرب الجنوب كانوا يعبدون نخلة طويلة في نجران ياتونها مرة في السنة في يوم معين اتخذوه عيدا . فيعلقون عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلي النساء و عكفوا عليها طيلة يومهم.

- سدرة " ذات أنواط " : كانت لقريش شجرة عظيمة خضراء هكذا وصفتها المصادر يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم و يذبحون عندها و في مواسم الحج تعلق أردية الحجيج عليها قبل دخولهم الحرم المكي لأنهم يطوفون بالبيت عراة. هذا قبل الإسلام طبعا، حتى أن بعض المسلمين في غزوة حنين في السنة الثامنة للهجرة و بعد فتح مكة طلب من النبي ان يجعل لهم ذات أنواط مثلما لقريش فأنكر الرسول قولهم و شبههم بيني إسرائيل يقول " هكذا فعل قوم موسى بموسى ".


3- في عالم الرؤى و الأحلام:

زخرت كتب الرؤى و الأحلام القديمة و الوسيطة و الحديثة بكم هائل من التحاليل و التفاسير للشجرة و رمزيتها و جميع حالتها و نكاد نلحظ إجماعا عند القدامى و المحدثين من المفسرين على أن الشجرة ترمز إلى المرأة و الخصب و السوءدد و الخير العميم.

فالشجرة في عالم الرؤى و الأحلام تدل على حالتها في اليقظة. فحسب شيخ المفسرين محمد بن سيرين البصري الأنصاري ( توفي 110 هـ / 728 م) فان البستان دال على المرأة لأنه يسقى بالماء ، فيحمل ويلد ، وان كان امرأة كانت شجرة قومها و أهلها وولدها و مالها و كذلك ثماره و جاء أيضا أن الشجرة في المنام تعني المرأة و ذلك إذا كان معها ما يشبه المرأة و ينبغي لتلك المرأة إن تكون أم ملك آو امرأة أو بنت ملك أو خادم ملك.

كما جاء عند ابن سيرين بأن الحديقة امرأة الرجل على ما قدر جمال الكرم و حسنه و قوته و ثمرته مالها و فرشها و حليها و شجره و غلظ ساقه سمنها و طوله طول حياتها و من رأى انه يسقى بستانه فيأتي أهله. ومن رأى بستانه يابسا فانه يجتنب إتيان زوجته و شجر الزيتون : رجل مبارك نافع لأهله و ثمره هم و حزن لما أصابه أو ملكه ا واكله و ربما دلت الشجرة أيضا على النساء لسقيها و حملها وولادتها لثمرة وربما دلت على الحوانيت و الموائد و العبيد و الخدم و الدواب و الأنعام و سائر الأماكن المشهورة بالطعام و الأموال كالمطامر و المخازن و ربما دلت على الأديان و المذاهب لان الله تعالى شبه الكلمة بالشجرة، كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء و هي النخلة و قد أولها النبي محمد بالرجل المسلم و أول الشجرة التي امسكها في المنام بالصلاة التي امسكها على أمته.

وجاء عند ابن سيرين انه من رأى نخلا كثيرا فانه يملك رجالا بقدر ذلك. وكذلك أن العقدة الشريفة على ما وصفت من حال النخل و فضله على الشجر في الخصب و المنافع و شجر السدر في المنام، رجل شريف حسيب كريم فاضل مخصب بخصب الشجرة و كرم ثمارها أما شجر الزيتون في المنام فانه يدل على رجل مبارك نافع لأهله، و ثمره هم و حرن لمن أصابه و ملكه.

و كما اختلفت المدارس الفقهية في الإسلام في النواحي الشعائرية فإنها قد تباينت كذلك في تأويل الشجرة في المنام و تفسيرها ففي المدرسة الأمامية الإثنى عشرية نجد انه من غرس شجرة في المنام فعلقت فانه يصاهر قوما و يصيب شرفا و الشجرة ذات الشوك رجل صعب المرام عسير و من رأى انه قطع شجرة ماتت امرأته.

ومن رأى انه يغرس في بستانه أشجارا فانه يولد له أولاد تكون أعمارهم في طولها و قصرها كعمل تلك الأشجار ومن رأى شجر الرمان رجل صاحب دين و دنيا و شوكها مانع من المعاصي و قطع شجرة الرمان قطع الرحم. أما إذا ذهبنا إلى آراء أعلام الإغريق في علم الرؤيا و الأحلام في موضوع الشجرة فنذكر ارطاميدورس الافسوسي ( عاش حوالي عام 100 ق م ) حيث قال في ذلك : الشجرة في الرؤيا تدل على المرأة و على المباراة و الرياسة و الحرية. وإذا رآها الإنسان خضراء حسنة الورق حاملة زيتونا قد بلغ وطاب فإنها دليل خير و منفعة و إذا رأى الإنسان زيتونا قد قطف فانه لسائر الناس دليل خير و منفعة، و إذا رأى الإنسان زيتونا قد قطف فانه لسائر الناس دليل خير ، و اما للعبيد فانه يدل على ضرب و ذلك لأن الزيتون إنما يؤخذ من الشجرة بنفض و ضرب.

وان رأى الإنسان انه يقطف زيتونا أو يعصره فان ذلك يدل على تعب و مشقة. و أما المدرسة الغربية الحديثة و على رأسها " فرويد " فقد فسرت الأحلام بواسطة الرموز و قد قال " فرويد " في موضوعنا ( الشجرة ) : بان المناظر الطبيعية المتجلية في الحلم و خاصة إذا احتوت جسورا أو قمما تعلوها الأشجار. هي أوصاف للأعضاء التناسلية. إذن ذهبت كتب الرؤيا و الأحلام إن تأويلات " الشجرة " ارتبطت بعادات الخصب و الأمومة و حتى المدرسة النفسية في الغرب فقد ذهبت إلى تفسيرات ربطتها بالتناسل البشري.

و بالتالي فإن اعتقادات الإنسان في الأشجار ما هي إلا تجسيد لروح الخصوبة بإشكالها المختلفة و هي تجسيد للقدرة اللاهية المخصبة مجسدة بالشجرة في روح الخضرة المتجددة حيث تداخلت في معتقدات آلهة الأمومة التي تتجلى في الربيع حيث يكون أوله 21 مارس ( آذار ) عيد الأمهات عند القدامى.


xزيتونة " ازواغز " شجرة فريانة المقدسة - II

ملامح عن الرمزية العقدية للأشجار المقدسة في الحاضر : ظلت بعض الشعائر المتصلة بتقديس الأشجار حتى زمننا الحاضر سواء ما نجده بين صفوف الأوساط الامازيغية في جبال القبائل أو في المدن السهلية و مجالها.

و تزداد قدسية الأشجار أو بعض النباتات البرية كلما أصبحت محل ممارسة طقوسية خاصة في المناطق النائية و في أماكن النسك و العبادة للصالحين المنقطعين عن عالمنا الدنيوي و الديني و أبحروا في الكون الأرحب فسلمت نباتات و شجيرات نادرة من عبث البشر و تخريبهم . كانت في حياض و حمى مجال الخلوة أو الزاوية في تلك المرتفعات فكان كل ما يحتويه ذلك المجال مقدسا و حرما آمنا ففي " عمرة " مدينة قفصة بالجنوب الغربي التونسي و في المجال العقاري لأراضي الهناشرية توجد سدرة الشلاليق عند المطار على وجه التقريب حيث كانت تربط بأغصانها أماني الأهالي و المارة .، حيث تعلق قطعة قماش أو خيط صوفي فسميت بسدرة الشلاليق.

وحسب روايات بعض الأهالي فان "عرش أولاد محمد" كانوا من أكثر العروش إيمانا و تعلقا بها و الظاهر أن عقيدة بقايا القبائل الهلالية بالسدرة المقدسة تمثل امتدادا و تواصلا مع عقيدة العرب بسدرة ذات أنواط لما تجلبه لهم من قوة و حسب و كرم و خصب و عطاء.

وكما قال لي احد كبار السن: " عندما كانت النية عند الناس و العمل كنا نمر من حولها و نربط قطع القماش وننوي ما نريد و كما يقال وين النية و ين العمل " كما توجد عدة أشجار أعطيت صفة القداسة إما لأنها وجدت عند قبر أحد الأشراف أو الصلحاء أو أنها كانت محبسة لولي أو مسجد أو لتجهيز طلبة العلم الشريف لبوغ تحصيلهم و قبل خوض غمار زيتونة فريانة الأقدس لابد لنا من وقفة مع زيتونة حازت قدسيتها بقوة الدم و السيف إنها زيتونة سبيطلة.

تقع هذه الزيتونة على راس ربوة تبعد عن مدينة سبيطلة حوالي 6 كلم و هي قديمة جدا و يمكن أن يكون عمرها أكثر من تاريخ غزوة العبادلة السبعة 27 هـ / 684 م و تحظى هذه الزيتونة بإجلال بلغ حد القداسة عند الأهالي. حيث يلجؤون إليها ملتمسين عندها البركة و يستغيثون بها عند الشدائد و يعود كل ذلك إلى قصة قديمة تعود لأيام غزوة العبادلة السبعة للمجال الترابي لمدينة سبيطلة، مفادها أن أفراد الجيش الإسلامي الرسمي من القتلى و الجرحى يتم نقلهم لظل هذه الزيتونة الوارف للمعالجة، علما أن الخليفة الثالث عثمان بن عفاف الأموي قد أمد قائد جيش عبد الله بن سعد بمجموعات من " أعيان الصحابة " و أبنائهم و بذلك جاءت قدسية هذه الشجرة التي تذكر القصص المحلية أن ظلها لا يتحول عن المكان الذي كان يوضع فيه جرحى و شهداء الصحابة و التابعين.

و نلحظ من خلال هذه القصة تداخلا بين الأسطورة و المخيال الشعبي عند أهل فريانة و مجالها الحيوي حول زيتونتهم الأقدس.


1- قصة الزيتونة بين الأسطورة و المخيال الشعبي :

سجلت زيتونة فريانة المعمرة في سجلات الجمعية التونسية للمدن المنتجة لزيت الزيتون و تعد من الزياتين ذات الخصوصيات المميزة فحسب الصور التي التقطناها لهذه الزيتونة نلاحظ أنها من الأشجار المعمرة ومن سادنتها نعرف أنها تعود لأيام الطوفان. وكانت تستحضر قصة غض الزيتون الذي حملته الحمامة للنبي نوح في أوائل أيام شهر محرم للإشارة انتهاء أيام الطوفان حيث ابتلعت الأرض ماءها و عادت الأرض لطبيعتها حسب قصص القرآن.

تعرف هذه الشجرة على أنها من أشجار الزيتون الكبيرة و المعمرة بحومة البلد وهو حي من أقدم الأحياء بفريانة على رصيف الطريق و هي زيتونة موغلة في القدم، قيل أن عمرها يربو عن الخمسائية عام ، و قيل عن الألف عام و لا شك أن عمرها الحقيقي اكبر من هذا التاريخ التقريبي نظرا إلى جذعها المفرط في الضخامة و فروعها القوية. و عمل الطبيعة التي نحتت من جذعها فوهات و حفر. ماسر تقديس الفراينة (أهل فريانة) لهذه الزيتونة ؟ وما هي أهم الأساطير المتداولة عنها ؟ و ماذا نسج المخيال الشعبي حولها ؟

بحسب بعض المعلومات التي استقيناها 49 من كبار السن أو أولئك الذين سمعوا عن أبائهم قصصا و أساطير و بحكم التصاق " الفراينية " بزيتونتهم الأضخم و الآسن فإنها تظهر لهم في المنامات و تحدثهم و كأنها من الآدميين و تهدد و تتوعد من قطع أغصانها ...

أما قصة تعميرها إلى زمننا هذا فان المخيال الشعبي قد صاغ عددا من القصص و الروايات، فيها التاريخي الذي صبغ بالأسطورة و يتمثل في حملات العرب المسلمين المتكررة للسيطرة على شمال إفريقيا و مراكزها الحضرية بعد القضاء على الفتنة الثانية أو ما عرف في المصادر بالفتنة الزبيرية، قرر الخليفة الجديد عبد الملك بن مروان في الفترة الممتدة بين 73 و 74 هـ / 693 و 694 م. معاودة السيطرة على بلاد المغرب و استئصال حركات المقاومة البربرية فجبذت لذلك العمل حسان بن النعمان الغساني، فتصدت له ملكة البربر " دهيا بنت ماتية بن تيفان الملقبة بالكاهنة فهي ملكة جبل أوراس و قومها من جراوة ملوك البتر و زعماؤهم.

و هي المرأة التي يرهبها الجميع فجميع من في افريقية منها خائفون و جميع البربر لها مطيعون فعملت على تخريب المدن و الزراعات مستهدفة الأشجار المثمرة بشكل خاص مدمرة المنطقة لمدة طويلة. للحيلولة بين الغازي العربي القادم من الشرق و بين الاستفادة من خيرات البلاد خاصة و أن الكاهنة تشك في عودتهم لذلك أقدمت على تخريب البلاد و إحراق الأشجار و كانت زيتونة ازواغز " بفريانة من جملة الأشجار التي شملها القطع حسب ما نسجه خيال الفراينة الجماعي، إلا أن ما تم قطعة منها عاد كما كان و بذلك استعصت على القلع و هذا ما دفع الأهالي منذ أيام حسان بن النعمان الغساني و حروبه مع الكاهنة إلى تعظيم هذه الزيتونة حتى بات من المحرمات إلحاق أي نوع من الإضرار بها. فمن يفعل ذلك يلحقه أذى شديد في شخصه أو في أفراد عائلته و في رواية عن كبار السن الذين التقيناهم قالوا لنا أن أفراد من عرش ازواغز حيث وجدت هذه الزيتونة أرادوا قلعها. فأتتهم في المنام طالبة منهم عدم القيام بذلك.

كما روت لي عجوز أصيلة حي لبلد القصة التالية : " إن رجلا من عرش ازواغز قطع منها " عتقة " (فرع كبير من غصنها) فوقفت عليه في المنام، قائلة إذا عدت و قطعت مني غصنا أقطع "مسلانك (ظهرك).

هذه الأساطير و ما رافقها من أقاصيص و روايات اجتهد المخيال الشعبي بفريانة في نسجها و توارثها مع ربطها بمقاربات تاريخية لتلبية نداءات باطنية كانت و ما زالت محورا أساسيا في عقائد الأجداد و الآباء و تواصلت بطرق و مفاهيم قدسية شتى.


2- تواصل معتقدات الروح الأخضر بفريانة


إن كل ثقافة من ثقافات الإنسانية ، خاصة في عالمنا العربي الامازيغي، تتكون في المجمل من سلسلة من التفسيرات و التأويلات القرائية لأساطير و إيديولوجيات نضعها في محك التأويل التاريخي العقدي للفرد في المجال المغربي و خاصة في المناطق التي عرفت حراكا ثقافيا فأنتجت منظومة عقدية متصالحة مع معتقداتتها السنية المالكية يثوبها الإسلامي و معتقدات الأجداد التي بقيت مؤثراتها متواصلة في التراث الشعبي عبر العادات و التقاليد الشعبية في حياة الفرد اليومية بتلك الأفكار و الطقوس و الرموز الاحتفالية مما يجعلها حية في الذاكرة الجمعية. فالفرد بطبيعته تواق إلى الخروج عن المألوف و الحنين إلى البدء. لولا الضوابط الردعية التي يستند إليها علماء الظاهر في التصدي لكل دخيلة حسب وجهة نظرهم الخاصة.

تعتبر زيتونة فريانة، المعروفة عند الأهالي " بزيتونة ازواغز " استمرارا الروح الخصوبة المتجسدة فيها و إن تغيرت أشكال الممارسات . لذلك عمل الفراينة " على انسنتها وظنوا أن امرأة " صالحة " سكنت في جوف الشجرة فاقسموا باسمها " ادقني زيتونة ازراغز"(تعاقبني). فكانت ملاذ الأهالي في مدلهمات الأمور . من ذلك عندما ينحبس القطر من السماء تخضب بالحناء و طقوس الاستقساء بالأشجار وجدت عند أمم وثقافات متنوعة .ففي بورما بالقارة الآسيوية جرت العادة لدى بعض القبائل أن يخرج أفرادها عند انحباس المطر إلى الحرش القريب فينتخبون اكبر الشجرات و يطلقون عليها اسم إلههم الموكل بالخصب و المطر، ثم يقدمون لها القرابين كما نجد هذه العقيدة لدى بعض القبائل الإفريقية التي تعتقد أن آلهة الإنبات تتجسد في بعض الأشجار الطويلة الضخمة، فتخرج إليها في مواسم معينة. وكذلك نجد طقس طلب المطر و الخصب عند الهنود فيخرجون إليها و يسكبون فوق جذورها ماء التقديمات المقدس طالبين منها مباركة نسل الإنسان و الماشية هكذا و من خلال مقارنة بسيطة بين عقائد هذه الشعوب و طقوس الفراينة مع زيتونتهم الأضخم نجد أن الممارسات الطقوسية تتشابه و إن اختلفت مظاهرها بين شعب و أخر.

وسبق أن استعرضنا بعض رموز شجر الزيتون عند الأمم الغابرة و عالم المنامات الذي يعبر بطريقة أو بأخرى عن عالم الشهادة عندنا و يعكسه.

فآلهة أثينا هي التي أولدت شجرة الزيتون و أسبغت حمايتها على شجرة الرخاء و السلام فهي الشجرة المقدسة لاكربول أثينا . و لذلك ما يتلقى الظافرون في الألعاب الاولمبية تاجا من الزيتون، فلم يكن هناك من شرف أسمى في نظر الإغريق من تاج الزيتون هذا ذلك عند الإغريق و ما تمثله الزيتونة من رمزية و قدسية عندهم و بالعود إلى " زيتونة ازواغز" التي لا يجني زيتونها و لا يعصر بل" يقرقب" (يعصر بالطريقة التقليدية أي باليد). و ثمرتها حلوة الطعم وزيتها ابيض و يستعمل للتطبب و حسب رواية إحدى المسنات : " إن إحدى النساء تعاني من آلام حادة في الركبة فوقفت عليها الزيتونة في المنام طالبة منها أن تجمع زيتونها المتساقط و تصنع منه زيتا " مقرقبا " و تدهن به ركبتها و فعلت المرأة ما طلب منها في المنام فشفيت لذلك يقولون إنها شجرة مباركة ".

وهذا ما كان يقوم به الإغريق إذ نسبوا عديد الأساطير إلى ألهتهم وكثير من القدرات الكامنة في زيت الزيتون الذي أطلقوا عليه اسم الذهب السائل منها فالآلهة " حيرا" كانت تدلك جسدها في الصباح و المساء بزيت الزيتون ليظل محتفظا بطراوته و لمعانه الفريد لتبقى على غوايتها لإله زيوس ومن عادات الفراينة في المناسبات الدينية زيارة أضرحة الأولياء و مساجد الصالحين و خلواتهم و مثل بقية المقامات تزار هذه الزيتونة في المناسبات الدينية و تعطر بأنواع البخور و توقد على قاعدتها الشموع و يتم تطييب الزيتونة الأعظم بالبخور باعتبار أن ساكنتها امرأة من الصالحين مثلما سبق ذكره و حسب عالم الأحلام فان شجرة الزيتون " رجل مبارك نافع لاهله او امراة ولود.

يظهر لنا من كل ما تقدم مدى التصاق الفراينة بمعتقدات الروح الأخضر وهو ما يشير إلى عمق تأثيراته إلى أيامنا هذه من خلال الأساطير التي نسجها المخيال الشعبي و استمرت في شكل طقوس ارتبطت بالخصب و الحياة ..

و ما هي في الحقيقة إلا تلك العادات ذات الأرضية العقيدية التي أولاها الأجداد عناية خاصة في مناسبات معينة لما ترمز إليه من ديمومة للحياة و السعادة . لذلك كانت الزيتونة شجرة الآلهة في ثقافات البحر المتوسط و الشرق القديم و هي تواصل لمعتقدات الروح الأخضر و إن تغيرت عقائداة الأجداد إلا أن العقل الباطن للفرد يعبر بأشكال مختلفة عن ذلك المسكوت عنه و عندما تحيط به نوائب الدهر تجده في صلح روحي مع عقائد الأجداد بنفحات اسلاموية يرفضها أولئك الظاهريون الجدد الذادة عن الشعائر في دعواهم إلى محاربة كل أنواع البدع ، بينما نجدها تتعايش بجمالية مميزة في مسلكيات صوفية ضمن وحدة دين الإنسان مع استمرارية الثقافات الأخرى.


xسيدي زيتون: عقيدة الروح الأخضر - III

تعتبر الشجرة رمزا كونيا فهي تعبر عن الحياة والشباب والخلود والحكمة، أسوة ببقية الأشجار في حضارات العالم القديم، لذلك عدها المخيال البشري ركنا أساسيا في تتويج وارتقاء الآلهة وأنصافها وأصحاب الكرامات على مر التاريخ الإنساني، وهذا ما يتجلى لنا في المخيال الجمعي عند سكان مناطق عدة في اعتقاداتهم في بعض الأشجار وخاصة شجر الزيتون؛ ونسجهم قصصا حاكى حسهم الروحي مدعما بما تصورته ميتافيزيقيا الأجداد عن ذلك التجلي القدسي للأشجار.

وهذا ما جعل من شجرة "سيدي بوزيتون" في ريف غار دماء تأخذ بعدا قدسيا ويصبح حماها حرما آمنا يتبرك به وتحلو تمضية الأوقات عنده، خاصة أن هذه الشجرة الضخمة كانت "مڤيال" أحد الصلحاء من أصل شريف، وهذا الشرف بما يعنيه من قرابة من النبي محمد(ص) كان سببا في حضوره بالوسط الأهلي وامتداد كل المجال الذي أخذ بعد وفاته قدسية معينة.


فما هي قصة الولي والشجرة المقدسة؟


1- قصة الولي:

إن اصطفاء النبي محمد على سائر الأنبياء في قوله "...أنا إذن أفضل المفضلين". وهذه الأفضلية والصفوة التي حظي بها النبي الخاتم لن تضيع أبدا بين الناس مع غياب هذا المصطفى بين الأصفياء، فذريته من بعده الحاملة لدماء نبوية تعكس تلك القداسة، فقد انتقلت بركته إلى كل آل بيته. وهذا ما جعل "الولي" ذي النسب النبوي، المقيم بين ظهراني قبائل خمير وعمدون وغيرها يحظى بمكانة خاصة، إذا فما هي قصة هذا الولي الشريف كما تناولها التراث الشفوي لأهالي منطقة زيتون ؟

يعود نسب هذا "الولي" الشريف إلى الأدارسة، فحسب مشجرة نسبهم نجد أنهم أبناء الشيخ علي بن محمد بن اسماعيل بن...الحسين بن علي بن أبي طالب وينحدرون من نسل ادريس الأكبر مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى وهذا ما ورد على لسانهم ودونته وثائقهم في مقر الزاوية، وكإضاءة سريعة على هذا "الولي" الذي ارتبطت شجرة الزيتون المعمرة سيدي بوزيتون بالحضور الجسماني لابنه -الوارث للصلاح والتقوى والولاية – عبد الملك تحت ظلها الوارف.

نجد أن علي ابن محمد انتقل من المغرب الأقصى إلى الجزائر، وهناك تزوج من "زهرة المصلحية" من القبايل وأقام بسطيف فترة وفيها أنجب ابنه "عبد الملك". وكان دخول الأخير لتونس في أوائل عهد الاستعمار الفرنسي بتونس، واستقر في منطقة "زيتون" وسط غابة زيتون قديمة حيث أسس زاويته، وأكمل ابنه عبد الملك -الذي تسمت الشجرة باسمه- طريقه الصوفي والتعليمي. فكان اول مشواره المعرفي في سلوك الطريقة الرحمانية بزاوية الكاف على يد كل من مصطفى الطرابلسي والأخوين سيدي أحمد بوحجر ويوسف الشيخ، ومهمة الزاوية ذات الأصل الرحماني تعليم القرآن والعناية بالطلبة ودعمهم المادي من بداية تحصيلهم حتى مرحلة تأهيلهم للدراسة بجامع الزيتونة بالحاضر، وكان الشيخ عبد الملك يرفدهم بالدعم المالي.

وتصدت الزاوية الرحمانية بفرعيها بالكاف وبو سالم للاستعمار الفرنسي أن قبائل عمدون سلكوا خطا مقاوما في مناطق الشمال الغربي. وبالعودة إلى زاوية سيدي عبد الملك فإنها تحوي ثروة هامة من المخطوطات النفيسة والنادرة تعود إلى أكثر من ثلاثة قرون. ومن المؤكد أن قسما من هذه المعلومات عن زاوية سيدي عبد الملك يحتاج إلى أعمال أخرى أكثر دقة ومكملة لتاريخ المنطقة. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو سر العلاقة بين شجرة "سيدي بوزيتون" وهذا الصوفي الشريف المقيم في مجال زيتون؟


2- "سيدي زيتون" بين الولاية الصوفية في توحيدها الإبراهيمي ومعتقدات الروح الأخضر عند الأسلاف:


عندما نتناول التوحيد الإبراهيمي، نتكلم عن الديانات السماوية الثلاث لأبناء ابراهيم الخليل بفرعيها الإسحاقي والإسماعيلي، وبما أن هذه الروايات مصدرية80 تشير إلى أن آل سيدي عبد الملك ينحدرون من الفرع الاسماعيلي من ذرية ابراهيم، وهم بالتالي امتداد عقدي وروحاني لذلك التوحيد وأن دماءهم النبوية جعلت منهم أولياء أشرافا يحظون بقدسية وإجلال خاص في الوسط الرسمي والأهلي وهذا ما يفسر تنامي نفوذ الأشراف في أحيان كثيرة على حساب السلطة المركزية.

وبالعودة إلى معتقدات الأهالي في "سيدي بوزيتون" وكيف مزجوا بن ما هو صوفي رحماني متمثل في مسلك سيدي عبد الملك وذلك الإرث العقدي الذي تكلس في باطن المعتقدات الشعبية عند الأهالي، فعقيدة الإنسان في الشجر ضاربة في ال ِقدم، وقد خلدها فن الشرق الأدنى القديم في العراق ومصر وسوريا وإيران...فالشجرة هي مجسما للربة عشتار الخضراء المتجددة وديمومتها التي يمثلها الإله البابلي تموز.

إذن صورة الشجرة لها ُبعد تعبيري للحياة وتجددها والخلود والحكمة

أما في الوسط الأهلي ببر "فريقيا" حيث نجد مزيج سكاني متجانس بمصاهرات تاريخية بين الأمازيغ والعرب الفاتحين وأعراب بني هلال إضافة إلى الجاليات التي وفدت للمنطقة منذ قرون خلت؛ وفي هذا التنوع السكاني خاصة الأصيل منه تظهر لنا روح المقاومة المحلية تجاه كل ثقافة وافدة. ولو تسربلت بما هو مقدس توحيدي، فالمؤمن يبقى في صلح وسلم مع باطن عقيدة الأجداد بما لا يتنافى مع التوحيد الإبراهيمي، وربما ذلك يتماشى أكثر مع معتقدات المتصوفة الذين نظروا بجمالية منقطعة النظير لكل ما هو مخالف ومغاير لنفسهم الروحاني، لذلك كان الولي الحامل لدماء نبوية امتداد حسي حسب تصورهم لسيرة النبي محمد المتسامي عن كل مظاهر الكراهية وفرض دين الغالب على المغلوب.

إذن عمل الفرد المؤمن الأمازيغي على تكييف معتقدات الأجداد مع الشعائر الإسلامية في عملية توفيق بينهما، فترسخ الإرث الثقافي القديم الذي بقي قويا في الذاكرة اجماعية وفي الممارسات اليومية؛ ومرد هذه المعتقدات في وسط أمازيغ بلاد المغرب إيمانهم بشجرة الحياة التي ترتبط بعقيدة الإنسان الأول في عناصر الطبيعة وعقيدته في الروح الكامنة في الأشجار.

وتتجلى هذه القدسية في اتخاذ الأهالي للأشجار كفضاء مقدس لممارسة طقوس الإستسقاء والتطبب وحتى الحفلات المختلفة، لما تعنيه الخضرة في المخيال الجماعي الأمازيغي من مبعث للبهجة والفرح؛ لذلك عملوا على إيجاد شجرة أو مجال نباتي معين في البيوت، كما أن الخضرة ترمز إلى الخصب والتناسل البشري، وهذا سر إقامة الاحتفالات في حرمها.

والعجيب أن أضرحة الصلحاء والمعتكفين للعبادة والسياح كانت مجالا حيا وخصبا لتنامي معتقدات الناس في الأشجار القديمة والتبرك بها خاصة تلك الموجودة في المرتفعات، حيث انقطع هؤلاء عن الحياة المدنية، فكان كل مجالهم حرما مقدسا وهذا ما جعل تلك الأشجار المعمرة تنال قدسيتها من قدسية هذا الولي الصالح ما بالك لو كان من ذوي الدماء النبوية. وهذا ما جعل شجرة "سيدي بوزيتون" تنال درجة عالية من الحضوة في الوسط الشعبي بمنطقة زيتون وتتعداها إلى كامل ذلك المجال.

يعود البعد القدسي لشجرة "سيدي بوزيتون" أو "زيتون سيدي الشيخ" وكذلك تعرف بزيتونة "سيدي عبد الملك" إلى تاريخ استقرار هذه الأسرة الإدريسية في ذلك الوسط. وهذه الزيتونة ذات الأصول الرومانية القديمة أو ربما تكون أقدم باعتبارها من الأشجار المعمرة يتجاوز عمرها عصر الوجود العربي في بلاد المغرب. توجد هذه الشجرة في وسط غابة كبيرة للزيتون و ُسميت المنطقة باسم "زيتون" وبشكل أدق "أم المراديم" أو "أم الجْرَانَة".

ويبلغ طول الشجرة على وجه التقريب 20 مترا أما عرضها فتقريبا 4 أمتار وهي ذات جذوع مترامية وأغصان غليظة نحتتها الطبيعة وتختلف زيتونة سيدي الشيخ عن بقية الزياتين في ذلك المحيط الشاسع فثمارها تعرف بالـ"جالي" فهي لا تُستهلك وتترك للطبيعة خشية غضب سيدي الشيخ، كما يذهب إليها الأهلي في المناسبات ويطبخون تحتها "العصيدة" تيمنا وتقربا من سيدي عبد الملك لنزول المطر أو لطرد الأشرار والمصائب عنهم، وقد أحيطت هذه الزيتونة بأعلام ورايات أوليائية مازالت بقاياها ظاهرة في حفر وتجاعيد هذه الشجرة، ويعود سبب إزالة مظاهر الزينة إلى تفشي ظاهرة التطرف في المنطقة المحارب لكل ما هو طرقي أو مخالف لنهجه العقدي.

وتعود قدسية هذه الشجرة إلى أنها كانت "مڤيال" سيدي عبد الملك"، فتحت ظلها يعالج المرضى وتتجلى للأهالي كراماته في شفاءهم كما أعطي ْت له كرامة معالجة داء الكلب وهذه من أهم الكرامات التي ُعرف بها هذا الولي.

وفي مراحا لاحقة أصبح حرم الزيتونة المقدسة مجالا للقيلولة وتمضية الوقت عند أهالي الجهة، ومما تكلس في الذاكرة الجمعية عند الأهالي أن الاستعمار الفرنسي كان يخشى القدرة العجائبية لعائلة سيدي الشيخ السحرية، كما ان حضوة الشجرة تجسمت أكثر بعد وفاة سيدي الشيخ فكان ضريحه مقابلا لها وفي حرمها. إضافة إلى كل ما ذكرناه فإن حرم الشجرة كان من أهم مجالس الذكر والأوراد عند سيدي الشيخ، فأوراق زيتونها هي دواء وترياق للأمراض، وبقيت إلى اليوم تُمضغ تيمنا عند زيارتها، فسيدي عبد الملك ابن علي الإدريسي المتوفي في 20 أكتوبر 1920 بقي حيا في العمق الوجداني للأهالي فالزوار مؤدين لطقوس الزيارة والتبرك للضريح وللزيتونة يقولون عند هذه الشجرة "قو ْم َيا َرا ِڤدْ الزيتُونَه إخوانك راهي ملمومه"، فــ"مڤيال" سيدي الشيخ أصبح حرما آمنا للتعبد والتبرك فهو مجال للراحة والذكر وعلى أغصان شجرته تُعقد آمال المؤمنين المنتظرين للفرج وتحقيق الأماني، لذلك عمدوا إلى ربط أغصانها بخيط أو "شليڤة"، مقدمين النذور و"ال ْو ِعدْ" بعد الخلاص. فروحية سيدي عبد الملك الادريسي تبقى حية وخضراء كخضرة الزيتونة مجال تعبده لذلك كان اعتقاد الوسط الأهلي في إيمانية عجائزية بتلك الروح الخضراء التي لا تفارق الصلحاء من الخلق.


الخاتمة :

تبقى وحدة العقيدة الإنسانية و تتواصل في محطات زمانية و في أصقاع شتى من العالم و إن اختلفت في ظاهرها حسب البعد " الزمكاني " إلا أن عناصر وحدتها أقوى. و ينبعث هذا الحس الروحي في وقفات الفرد مع ذاته بكل تجرد إذ يجد نفسه في مصالحة انفتاحية لا يمكن عزلها عن التجربة الأولى في رحلة الإيمان عبر أحقاب تاريخية متباينة في شكلها الظاهر و متواصلة في عقله الباطن و ذلك هو دين الإنسان.

فزيتونة " ازواغز " عند الفراينة وسيدي زيتون عند أهالي غار الدماء حلا محل روح الغاب و الربة الأم التي آمن بها الأجداد و استمرا بشكل آخر تم تكييفه مع المدرسة الفقهية المالكية وفي مسلك طرقي صوفي منفتح على منابع العرفان القديمة باعتبارها رموزا لعقيدة الإنسان على مر تاريخه الإيماني يعيش فيه الفرد صلحا فطريا مع موروثه العقدي ويتجلى ذلك كلما ذاقت به سبل الحياة ومال إلى الانعزال فكانت الأضرحة والمقامات وخلوات الصلاح، طوقا وسفينة للنجاة وهنا نستحضر مقولة الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي ( 560-638هـ/ 1165-1240م) بقوله في وحدة الأديان.


"لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي *** إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلا كل صورة *** فمرعى لغزلان ودين لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف *** وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت *** ركائبه فالحب ديني وإيماني"


28 views0 comments