top of page
Search

الملاحم الغنائية في الصحراء الكبرى ذاكرة موسيقية تقاوم الانقراض
















أ. محمد الأنصاري

خبير بقطاع الثقافة و الاتصال

الإيسيسكو



يظل التاريخ من أكثر ما تهتم به الشعوب، فمن لا تاريخ له لا حاضر له، كما يقال، فهو ذاكرتها التي تستعين بها لبناء حاضرها وازدهار مستقبلها.

وتتنوع أساليب الشعوب في تدوين تاريخها وتخليد منجزاتها، فهناك شعوب دوّنت تاريخها عن طريق النحت وأخرى سجلته بالرسم والتماثيل إلى أن جاء عصر التدوين بالكتابة فأضحى هو الوسيلة الأبرز لتسجيل التاريخ.


وإذا كانت الشعوب تتغنى بتاريخها كما يقال، فإن هناك شعبا يتغنى بتاريخه حقيقة وليس مجازًا، إذ يتميز شعب الصحراء في شمال مالي والنيجر وجنوب الجزائر بوسيلة أخرى قد تكون فريدةً في تدوين تاريخه ومعاركه وانتصاراته، فهو يستخدم الموسيقى في تخليد المعارك والملاحم الكبرى، فقد ألف الموسيقيون في هذا المجتمع معزوفة موسيقية لكل معركة ينتصرون فيها، ولا تزال تلك القطع الموسيقية تعزف حتى اليوم وبعضها تصاحبها تفاصيل تلك المعارك، ويتفنن الموسيقيون أثناء عزفهم في رواية أدق تفاصيل المعارك بأسلوب أدبي شيق.


واللافت للانتباه أن هذه القطع الموسيقية تحمل أسماء تُعرف بها، فمثلا معزوفة "أنْجَرو" الشهيرة في المنطقة هي أساسا اسم لمدينة أو قرية يقطنها شعب الفولان أو إفولان كما يعرفون في المنطقة، وشهدت هذه القرية معركة بين إحدى قبائل تومبتكو وحلفائها وبين سكان المدينة، فكان تأليف المعزوفة تخليدا لتلك المعركة، والأمر ينطبق كذلك على معزوفتي "إندوندو" و"سيغلالي" وكلاهما ألفتا تدوينا لمعارك حدثت في القرون الثلاثة الماضية.


أما معزوفة "يالّي" الشهيرة جدا فهي تخليد لمعارك البطل "غالي أغ شفقّار" وهو فارس وقائد معارك شهير من قبائل "إموشاغْ" التي تكاد المصادر التاريخية تُجمع على أنها من أسست مدينة تومبتكو، وتحمل المعزوفة اسم حصان القائد، ويزعمون أن الموسيقي مؤلف المعزوفة استلهمها من مشية الحصان وتبختره، وكان من تقاليد المنطقة عزف هذه المقطوعة التاريخية أثناء الحروب لرفع معنويات المقاتلين.


ولم تكن المعارك فقط وحدها هي التي ألف الموسيقيون معزوفات من أجلها، وإنما ألفوا أيضا قطعا موسيقية تخليدا لقادة بعض هذه المعارك على سبيل المثال معزوفة "سنو ميغا" المعروفة تحمل اسم قائد شهير، وكذلك "همبدوجي" بينما تروى قصص معارك القائد "مهمودو أغْ إن دولي" على عدد من المعزوفات الموسيقية، وهو قائد من قادة دولة ماسينا التي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين في منطقة "موبتي" وسط دولة مالي الحالية.


وإذا كان شعراء العربية قد اعتادوا نسج أجمل القصائد في محبوباتهم، فإن الموسيقيين في هذا الجزء من العالم ألفوا أروع معزفاتهم في محبوباتهم أو ممدوحاتهم أملا في نيل العطاء الجزيل، فمعزوفة " تَغْلَلْ إيمانْ" وتعني بالعربية الدائمة للنفس، ألفها أحد الموسيقيين من أجل محبوبته، أما مقطوعة "تينْ زكّتينْ" فتحمل اسم امرأة من وجهاء قومها، وقد ألفت المقطوعة تخليدا لها، والأمر كذلك بالنسبة لمعزوفتيْ "تجراظْ إيمانْ" وتعني بالعربية: "تعجب النفس، أو تروق للنفس" وكذلك مقطوعة "كرسا" وغيرها.


وقد حفظ لنا التاريخ أسماء بعض الموسيقيين الذين ألفوا هذه المعزوفات، فمعزوفة "تنكانين" ألفها الموسيقي وانْ تغاتْ أغْ إشّماسنْ، أوائل القرن العشرين، أما معزوفتيْ "تجراظْ إيمانْ" و"كَرْسَا" فكانتا من تأليف المطرب الكبير محمد أغ سيدي محمد، المعروف بـ "أخني"، فيما ألف الموسيقي "موزمبلي"، معزوفة "تغلل إيمان".

ونرجو أن نكون في هذه الإطلالة القصيرة قد قدمنا للقارئ الكريم نموذجا بسيطا للون ثقافي آخر ربما يختلف عما أَلِفه في بيئته وثقافته.

43 views

ความคิดเห็น


bottom of page