ملاحظات سريعة حول التآنس

نعني بالتآنس جمالية العيش المشترك[1] وهي في كنهها قدرة الإنسان على تغيير اجتماعيته الطبيعية وتحويلها إلى اجتماعية معقلنة وواعية. فالعيش المشترك الذي يتحقق في إطار الاجتماعية الواعية هو تعايش منظم حسب قاعدة الأنس والمحبة، وحسب قوانين الضيافة التي تحدث عنها جاك دريدا.


ولابد هنا أن نذكّر بأن مفهوم التآنس الذي اقترحناه ووضعناه على محكّي الدرس والنقد من خلال قراءتنا لأعمال أبي حيان التوحيدي ومسكويه يفيد مبدئيا نوعا من العيش المشترك ضمن التآلف والانسجام والذي لا يعبر فقط عن عدالة مصحوبة بالحكمة والحب ولكن أيضا بالوفاق الممكن بين الأشخاص. فهو يعبَر عن إنسانية قوامها الاختلاف والاحترام والمحبة.

فلفظ التعايش يجب أن يكون مفهوما بمعناه المتضمن في الحقل الدلالي لكلمة "تآنس" والذي يجمع بين اجتماعية الإنسان وحكمته، بين نشوة اللقاء والاختلاف الثري، بين الصداقة والحنان وأخيرا بين الضيافة والانفتاح على الآخر. وهي عبارة مشتقة من فعل "أنس" والذي نقصد به "التعود أو التآلف مع الآخر" مع إثبات مشاعر الصفاء والفرحة والسعادة والراحة صحبة الآخر. فالأنس هو عكس الوحشة التي تعني "الوحدة والعزلة أي البقاء وحيدا ومنفردا في مكان مهجور"[2]. وهي أيضا شعور تولده الوحدة كالتـّعاسة والحزن و الكآبة والضيق و الخوف.


فقد تحدث ابن خلدون عن التأنّس من حيث هو شكل من أشكال التحضـّر المرتبط بالتهذيب وهو ضد التوحش الذي يعتبره طريقة عيشالبدويين المعروفة بالنهب والسلب والأخذ بالثأر.


لقد صور الأدب العربي مشهد التعايش غالبا في ارتباطه بمجالس الأنس وهي شكل من أشكال الاجتماعات التي تجمع الأحبَاء، والأصدقاء وأحيانا الأقرباء حتى يتذوقوا نشوة الحوار وهزات الموسيقى وبهجة الأغاني وعذوبة التلاقي والتصاحب. يعتبر الأنس إذنتجربة المودَة والألفة، إنها أروع شكل للكينونة والوجود مع الآخر.


لكننا هنا نعتمد أكثر ما أفرزته العولمة من نمط عيش يقترب كثيرا من بعض معطيات التوحش. وكما يؤكد على ذلك جاك دريدا قد يدفع تغلب "التكنوقراطي العلمي" (العبارة لدريدا) على مجرى الحياة في حاضرنا كل فرد من الأفراد الموجود داخل المجموعة التي تفتقد للروابط الاجتماعية إلى نوع من "الوحشة" والكآبة، والوحدة قد يتحول إلى الهمجية والعنف.

يطرح هذا التعايش مسألتين مهمتين : معضلة القرب وإشكال التآلف.


ليس ثمة شك أن طلب الأنس الذي يعتمد القرابة، خاصة في طابعها العائلي، يمكن أن يقودنا إلى الجماعات الهووية لإزاحة كل غريب والخارج عن النسب والخصم، ولعله بالنسبة إلى العيش معا من البديهي أن الجماعية تحصر نفسها غالبا في الأقارب والأصدقاء أو في الذين يتميَزون بأي شكل من الأشكال فيؤلفون عصمة تقوم على استبعاد الغير. هكذا قد يحدث التآنس نوعا من الإقصاء فتتكون بذلك

مجموعات متآلفة ضد الآخر تخدم مصالحها الخاصة. وهي معضلة يصعب حلها.


فالانحصار العائلي والجماعي من هذا القبيل يمكن أن يقود إلى الاستبداد والحكم المطلق، كطلب الأصل والتأصيل والتمترس بهما والذي غالبا ما دعَم التطرف، أو كالهويات الكليانية التي تذهب بعيدا في الإقصاء والحشد وحتى الإبادة. لكل ذلك يجب أن يكون هناك توافق واع يجعل من القرابة في كل أشكالها مجالا للشمل الإنساني يكون نتيجة تبادل بين الأنا والآخر ليصبح الأرضية الرئيسية للعيش المشترك. فلا وجود لحياة مشتركة دون توافق ودون تحاور ودون وعي ولو بنسبة ضئيلة و ذلك في ظل القرابة الفردية والتجمعات المترابطة و الهياكل المهنية، والمنشآت الثقافية والفنية وعلى الصعيد الوطني وعلى الصعيد الإنسي.


هكذا لا توجد حياة عامة أو إمكانية لحياة كونية دون رابط إنسي ضمن نظام المجتمع والحق المشترك أو ضمن وحدة اللغة أو الكلام الذي تتقاسمه الممارسات اليومية والعادات والتقاليد والأمنيات والحقوق والواجبات التي تهم كل فرد. إن الأمة لا تحقق وحدتها وهويتها إلا باتفاقها من خلال عملية تحاورية ضخمة تأسس فيها عوامل الارتباط وأسباب إنجاحها وتحولها إلى عيش مشترك في ظل الكرامة والحرية.

على أن واقع الأمر يختلف عن ذلك. فما هو معروف أن لكل بلد مقياسه الخاص لما يدعى عيش الأمم المشترك : فلا وجود لتوازن حقيقي في العلاقات الدولية، ولا لأي فرصة للثبات والاستقرار، والسلم والتعاون دون تحاور الشعوب. ومع ذلك لا نشك في أن هدف كل نقاش وتحاور، خاصة إذا تعلق الأمر بقرار خطير، يتمثل في بلوغ أشمل نسبة من التوافق الذي يضمن للقرار الجماعي شرعية حقيقية. هذه هي الفكرة التي أقرها "كانط" حول "السلم الدائمة". لقد مرت قرون من النزاعات والحروب في العالم حتى تمكن الاتحاد الدولي من تعيين حق عالمي و حكم على المفاوضات المتعددة تحت عنوان: منظمة الأمم المتحدة.

لهذا فإن جمالية التعايش عبر تثقيف الغيرية وتطوير مشاعر حب الإنسانية تهدف في واقع أمرها إلى مواجهات عديدة من بينها مواجهة الجهل والتخلف العلمي والحضاري الذي يهيمن على العالم حاليا، وقد تفتح فضاء جديدا لإنقاذ الإنسان من مصائب القرن الجديد الموسوم منذ بداياته "بالوحشية" التي تتشكل ضمن الأحادية والأنانة[3].


كل هذا جيد، و لكن كيف يتكون التقارب بين البلدان الثرية التي تمتلك الثقافة، والطموحات والمصالح الحياتية المتشعبة وتهيمن عليها هيمنة تكاد تكون مطلقة وبين البلدان التي قد تٌركت إلى المنظمات الإنسانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه نتيجة الفقر والخصاصة والمرض؟ ومع ذلك هل بإمكان البلدان القوية فرض وسائل الضغط على البلدان الفقيرة للطاعة والانصياع دون عنف؟ ألم نشاهد انتفاضات وثورات وعنف أقصى يذهب إلى حد الإرهاب في البلدان المتروكة ؟ إذا كان هذا هو الوضع، هل نستطيع القول بالتقارب والعيش المشترك؟ وماذا يبقى من فكرة "الكونية والعيش السوي لكل الدول"؟


توصلت من خلال أبحاثي السابقة إلى محاولة تجاوز هذه المعضلات والتي حددتها في العيش الديمقراطي المشترك من خلال ما أعمال "حنا آرنت"، لكن بالاعتماد أيضا على "الفارابي".

ودون الدخول في اعتبارات العلم اللاهوتي السياسي للمدينة الفارابية الفاضلة، نستطيع كشف شروط إمكانية العيش المشترك الذي حدده في شكل من "الحكمة" و فن "الحكم" بصفة عامة من خلال تعقل الفيلسوف الحاكم والحفاظ على "حرية المواطنين" بتعبير حديث. فاعتقاد "الفارابي" بأّن المواقف الأخلاقية العميقة والأساسية في إعداد نوع من الوفاق السياسي حيث المبدأ الرئيسّي هو تحقيق التميز أو الفضيلة الإنسانية" يوجد داخل الحكمة نفسها. ويمكن أن يكون هذا الحل مصحوبا بنشاط مغاير يقرن في الوقت نفسه بين النظام الأخلاقي والنظام الجمالي، وتلك هي الضيافة التي فسر معطياتها وقواعدها "دريدا" في الدرس الذي ألقاه على منبر اليونسكو للفلسفة بتونس سنة 1998 حيث دعانا "دريدا" للتفكير في تجربة الضيافة من خلال تكرار الفكرة المنظمة للمفهوم الكانطي للمواطنة العالمية للتأويل الخاص بمفهوم الزيارة.


ما يهمنا بدرجة أولى هو أن مسألة الضيافة تجاوزت الفكر العامي وأصبحت موضوع تفكير مثل مسألة العلاقة مع الآخر ومسألة القدرة والسلطة وقضايا المسؤولية والهوية والإرادة والتواصل والحقوق وكلها مسائل مرتبطة بمعضلة الغيرية قاعدة العيش المشترك في كنف الكرامة. وجملة هذه الأفكار والمفاهيم والمعطيات حول التآنس والعيش المشترك ستكون محور أعمالنا في كرسي الأيسسكو للعيش المشترك ومقرّه بالقصر السعيد بتونس.

[1]Philosopherlevivre-ensemble,L’OrduTemps,Tunis1998لقد بينَا فيكتابنا أننا نقصد بالمحبة فيمعناها الاشتقاقي، وحسبا لفيلسوف"مسكويه" يمكن أن يعرّف بـ"انفعالا لحب" أوالعشق وحبالصداقة، والحب الجنوني والوله والمودة.لكن هذه المحبة تتكون خاصة من خلال الأنس والتآنس.انظرالكتاب Vلتهذيب الأخلاق. [2]هاشمفودا"فيالمرافقة"اصطلاح،جنسية،إلغاء،هاجس–مستقل1998–ص17[3]انظر"جاكداريدا"في مقاله هنا حيث يتحدث عن إنسانية الضيافة.

13 views0 comments