top of page
  • Instagram
  • Facebook
  • Youtube
  • ZENODO
  • ICESCO

دورالإبداع الفلسفي النسوي في الارتقاء بواقع المرأة المسلمة

3 hours ago
4 min read
 ​Imene Mechtoub







ايمان مشتوب


أستاذة رئيسية في الفلسفة، خريجة المدرسة العليا للأساتذة بقسنطينة، تتمتع بخبرة تزيد عن 16 عامًا في مجال التعليم الثانوي بالجزائر.





ماهية الفلسفة كمعرفة إنسانية قائمة على التساول والنقد


كلمة "فلسفة" (Philosophy) ذات أصل يوناني عريق مشتقة من مصطلح (Philosophia)، وهي تتركب من مقطعين أساسيين: الأول هو (Phileo) ويعني "المحبة" أو "الصداقة"، والثاني هو (Sophia) وتعني "الحكمة". ومن ثم، فإن المعنى اللغوي الحرفي هو "محبة الحكمة"، مما يعكس منذ اللحظة الأولى أن الفلسفة ليست تملكاً نهائياً للحقيقة المطلقة، بل هي سعي دائم، وشغف مستمر، وعشق لا ينقطع للبحث عنها.


أما إصطلاحا فهي ممارسة عقلية نقدية راديكالية تستهدف فحص الأصول، والمسلمات، والمفاهيم الكبرى التي يبني عليها الإنسان رؤيته للوجود، والمعرفة، والأخلاق، والمجتمع. وليست الفلسفة أبداً مجموعة من الإجابات الجاهزة أو العقائد الجامدة، بل هي "فن طرح الأسئلة الكبرى" واستشكال البدايات والمألوفات.


ومنها تتبوأ الوظيفة النقدية المركز المطلق في الاشتغال الفلسفي؛ فلا فلسفة حقيقية بغير نقد، ولا تفكر عميق بلا خلخلة للمألوف والجاهز. ويمثل الجانب النقدي الروح الحيّة والدافع الحقيقي لكل حركة تطور معرفي وبشري، ويتحدد دوره في النقاط الآتية:


  • نقد البدايات والمسلمات (تفكيك الوهم): لا تقبل الفلسفة بالأمور على عواهنها، ولا تتعامل مع الواقع أو التقاليد باعتبارها حقائق طبيعية أبدية لا تُمس. إن النقد الفلسفي يحفر بعيداً خلف الظواهر ليكشف كيف تتحول "الأعراف والترسبات التاريخية البشريّة" إلى أصنام فكريّة تُفرض وصايتها على العقول.

  • الرفض الجذري للجمود والأدلجة: يشتغل النقد الفلسفي كأداة هدم لكل أشكال الوصاية والدوغما (الجمود العقائدي)، رافضاً التسليم بأي سلطة تعطل العقل أو تهمش الإنسان. إنه يفكك آليات الهيمنة الضمنية الكامنة في الخطابات السائدة.

  • التجاوز نحو الممكن الإنساني الأرحب: لا يقف النقد عند حدود الاعتراض السلبي أو الرفض العبثي، بل يمتد ليكون نقداً تجاوزياً؛ أي أنه يفكك الواقع القائم ليفتح الأفق أمام إمكانيات أوسع للحرية، والمساواة، والعدالة، والكرامة الإنسانية، مانحاً الإنسان القدرة الدائمة على إعادة صياغة شروط حياته ومجتمعه نحو الأفضل.

ومن هنا، فإن هذا الجانب النقدي الراديكالي هو الذي يجعل من الفلسفة -وملاحقها المعاصرة كالإبداع الفلسفي النسوي- المنظار الحقيقي الذي نكشف به التناقضات، لننتقل بعدها إلى استعراض مساره التاريخي وتجلياته.


الإبداع الفلسفي النقدي النسوي وتاريخيته التأسيسية


إذا كانت الفلسفة في جوهرها ممارسة نقدية راديكالية ترفض البديهيات وتخلخل المألوف، فإن "الإبداع الفلسفي النقدي النسوي" يمثل التجسيد الأجرأ والأكثر إلحاحاً لهذا الجوهر في الفكر المعاصر. فهو ليس مجرد تيار فكري عابر أو رد فعل اجتماعي مؤقت، بل هو مسار تاريخي وتأسيسي طويل نشأ من رحم المعاناة والوعي النقدي، مستهدفاً زعزعة البنى الأبوية الكلاسيكية التي احتكرت إنتاج المعرفة الكونية.


تاريخياً، انطلق هذا الإبداع من صرخات الاحتجاج الأولى ضد التهميش السياسي والحقوقي للمرأة في أوربا والعالم، ليتطور تدريجياً عبر مخاض عسير نحو حفر أبستمولوجي وأنطولوجي عميق في جذور الفكر الإنساني. ولم يقف هذا المسار عند حدود نقد المؤسسات الاجتماعية، بل اقتحم قلاع الفلسفة التاريخية ليطرح سؤال الجندر بوصفه مقولة مركزية تفكك الحياد المزعوم للعقل الذكوري.


وتُعد الفيلسوفة الفرنسية الكبرى سيمون دي بوفوار (Simone de Beauvoir) المحطة التاريخية الأبرز والزلزال المعرفي الأشد عمقاً في هذا المسار، من خلال كتابها المؤسس "الطرف الآخر" (Le Deuxième Sexe) الصادر سنة 1949، والذي غير إلى الأبد مسار الفكر النسوي العالمي. فمن خلال إطلاقها لمقولتها المحورية الشهيرة: "لا يُولد المرء امرأة، بل يُصبح كذلك"، أحدثت دي بوفوار قطيعة راديكالية مع كافة التفسيرات البيولوجية الحتمية التي طالما اتخذت ذريعة لتكريس دونية المرأة وتهميشها. لقد نجحت هذه المقولة الفلسفية العميقة في إرساء الفصل الجذري بين "الجنس" بوصفه واقعاً بيولوجياً طبيعياً، وبين "الجندر" بوصفه بناءً تاريخياً، واجتماعياً، وثقافياً، وسياسياً تُعيد المؤسسات الأبوية إنتاجه لتثبيت علاقات الهيمنة. ومنذ تلك اللحظة التأسيسية، تواصل التاريخ النضالي والفلسفي عبر موجات متعاقبة أعادت قراءة التاريخ، والأخلاق، والسياسة، والتحليل النفسي، محولةً الإبداع الفلسفي النقدي النسوي إلى أداة عالمية لا غنى عنها لكشف أوهام الهيمنة، وممهدة الطريق أمام استنطاق هذا الوعي في السياقات الحضارية المختلفة، ولا سيما في الفضاء العربي والإسلامي.


دور الإبداع الفلسفي النقدي في الارتقاء بواقع المرأة المسلمة


وبناءً على هذا المسار التاريخي العالمي، يكتسي الإبداع الفلسفي النقدي النسوي في السياق العربي والإسلامي المعاصر أهمية استثنائية ملحة؛ فهو لا يهدف إلى استيراد نماذج غربية جاهزة أو إسقاطها قسراً على واقع مغاير ذي خصوصية حضارية وروحية فريدة، بل يسعى إلى توليد اجتهاد فلسفي أصيل ينبع من عمق النص الديني والواقع الاجتماعي معاً. إن تفعيل أدوات النقد الفلسفي الراديكالي داخل الفضاء الإسلامي يمثل ضرورة حضارية لإعادة قراءة البنى الاجتماعية والدينية بروح تحررية، ويتجسد هذا الدور الموسّع والعميق عبر الأبعاد الآتية:


  • تفكيك القراءات الذكورية وفصل المقدس عن البشري: إرساء قواعد التمييز الصارم بين "الثابت الإلهي المقدس" (الذي يرتكز على قيم العدل المطلق والمساواة الإنسانية والكرامة المتأصلة) وبين "المتحول التاريخي الثقافي البشري" (المتمثل في الأعراف، والموروثات، والاجتهادات الفقهية التاريخية التي تأثرت بسياقات ذكورية)، لتخليص النص الديني من التأويلات الإقصائية التي كرست التهميش باسم الدين.

  • الاجتهاد المقاصدي والتجديد الفكري: استرواح مقاصد الشريعة العليا التي ساوَت بوضوح بين الجنسين في التكليف والمسؤولية والجزاء الأخلاقي، ومأسسة إطار فكري يؤسس لحق المرأة في المشاركة الكاملة في صنع القرار، والاجتهاد المعرفي، وبناء الحضارة، رافضاً أشكال الوصاية الفكرية.

  • بناء الوعي الذاتي والتمكين المجتمعي الشامل: لا يقتصر التغيير على المستوى النظري، بل يمتد لتحرير إرادة المرأة ومساعدتها على التخلص النهائي من ترسبات الشعور بالدونية أو التهميش المصطنع. إن الإبداع الفلسفي يعمل على دمج المرأة بفاعلية كبرى في الحقلين العام والخاص باعتبارها فاعلاً أساسياً ومستقلاً يمتلك صوته وعقله، لا مجرد موضوع للرعاية.

  • التوفيق الخلاق بين الهوية والكونية: تمكين المرأة المسلمة من الجمع المنسجم بين اعتزازها بانتمائها الحضاري والديني الأصيل وبين استيعابها النقدي للقيم الكونية المعاصرة للحرية والكرامة الإنسانية، ودون أي انفصام أو تناقض وهمي، لتكون شريكاً حقيقياً في صياغة مستقبل مجتمعها وازدهاره.


ختاما


إن تفعيل الإبداع الفلسفي النقدي النسوي في الفضاء العربي والإسلامي لا يعد ترفاً فكرياً ولا استيراداً معاصراً، بل هو رافعة حضارية وضرورة إصلاحية ملحة لتجديد الفكر الديني والاجتماعي معاً. إن بناء مجتمعات إسلامية عادلة ومزدهرة يقتضي بالضرورة استثمار الطاقات الفكرية لكل أبنائها وبناتها على حد سواء، وإعادة الاعتبار للعقل النسوي النقدي بوصفه شريكاً أساسياً لا غنى عنه في تفكيك أزمات الراهن وصناعة مستقبل إنساني متوازن يتسع لجميع طاقاته وقدراته.

Latest Event

New

Découvrez les publications d’ICESCO Creative sur notre espace Zenodo et accédez à des articles archivés, référencés et dotés de DOI académiques, garantissant une consultation et une citation scientifique fiables.

​

Chaque publication est associée à son auteur via son identifiant ORCID ; il est recommandé à tous les contributeurs et membres d’ICESCO Creative de créer leur compte ORCID afin de valoriser et référencer leurs travaux à l’échelle internationale.

bottom of page