تاريخٌ صُنِع في الخفاء: كيف أعادت تحية كاريوكا صياغة أفق السلام؟
مدارات العصيان الإيجابي

أمل عبد الهادي
باحثة وموثقة مصرية في شؤون المرأة وإرث الرائدات
في المدار الأول من هذه السلسلة، تتبعنا كيف حطمت لطفية النادي "المستحيل الثقافي" لتصنع من إرادتها طائرة تحلق بها فوق حدود السائد وتخترق بها سقف التوقعات الاجتماعية. واليوم، ننتقل من فضاء السماء إلى معترك الأرض والسياسة, لنلتقي بامرأة أخرى مارست "العصيان الإيجابي" في أشد صوره ضراوة. إنها امرأة حوّلت الجسد الذي أراد المجتمع تدجينه واستهلاكه، إلى درع وطني صلب، وأثبتت أن من تعجز السلطة عن ترويضها على المسرح، قادرة على إعادة رسم خريطة الوطن من خلف الستار. إنها تحية كاريوكا؛ اليد التي غيّرت —في ليلة مظلمة— مجرى التاريخ السياسي لمصر.
لم تكن طفولة تحية (بدوية تحية محمد علي النيداني كريم) سوى المختبر الأول الذي صُقلت فيه سيكولوجية التمرد لديها؛ ففي بيئة عائلية قاسية بالإسماعيلية، قوبل شغفها الفطري بالفن برفض ذكوري عنيف تجسد في شقيقها الذي مارس ضدها أبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي لحبسها ومنعها من المضي في طريقها. لم يكن قمعاً عادياً، بل وصل الأمر إلى تقييد جسدها الغض بالسلاسل الحديدية في أعمدة المنزل وحلق شعر رأسها كاملاً لإجبارها على الاختباء وكسر كبريائها. لكن هذا القهر المفرط لم يورثها انكساراً، بل كان حجر الشحذ الذي شذّب صلابتها؛ وفي ليلة فاصلة، استطاعت بمساعدة إنسانية أن تفك سلاسلها وتهرب في عتمة الليل لتستقل قطاراً متجهاً نحو القاهرة، لا تملك فيه سوى حلمها. كان عصيانها على أخيها وهروبها وهي طفلة إعلاناً مبكراً عن ملكيتها التامة لجسدها ومصيرها، وتعلّمت منه أن الحرية لا تُستجدى بل تُنتزع، ولذلك كان من الطبيعي أن تتحول تلك الطفلة الهاربة من قيد السلاسل، إلى امرأة يهرب إليها صناع التاريخ ليحتموا بظلها الشجاع.
هذا التمرد تواصلت فصوله في شوارع القاهرة؛ فلم يكن طريقها نحو النجومية مفروشاً بالورود، بل كان معركة يومية لإثبات الذات. واجهت وحيدة قسوة العاصمة واغتراب البدايات، وبدأت من الصفر متنقلة بين الفرق حتى احتضنتها فرقة "بديعة مصابني". هناك، لم تكبح تحية طموحها، بل طوّرت لوناً سينمائياً واستعراضياً خاصاً بها، وحين قدمت رقصة "الكاريوكا" البرازيلية الشهيرة عام 1940، لم تكن تقلد الغرب، بل كانت تمصّره وتطوعه لذكائها الحركي، لتتحول من مجرد وجه جديد إلى ظاهرة فنية تهز مسارح الشرق وتخطف عقول كبار المثقفين والفنانين.
وحين تربعت تحية على عرش الفن، لم تكن مجرد راقصة استعراضية، بل كانت حالة ثقافية وفلسفية فككت الصورة النمطية السائدة. لقد فرضت كبرياءها على الجميع، وحوّلت فنها إلى أداة للتعبير عن الهوية والكرامة والكبرياء المصري في مواجهة الاستعمار والنخب المداهنة. ولكن المظهر الأعمق لعصيانها الإيجابي تجلى في انخراطها الشرس في العمل السياسي؛ فلم تكن الأضواء والنجومية والمال لتشغلها عن هموم وطنها، فكانت تخبئ الفدائيين، وتنقل السلاح بسيارتها الخاصة، وتتحدى الملوك والرؤساء بصلابة منقطعة النظير.
إلا أن ذروة هذا النضال، والنقطة المفصلية التي تستدعي قراءة تاريخية مغايرة، تمثلت في ليلة لجوء الشاب أنور السادات إليها هرباً من المعتقل بعد مقتل أمين عثمان. في تلك اللحظة، لم تكن تحية تمارس دافع الشهامة الإنسانية العابرة فحسب, بل كانت —دون أن تدري— تقف حارسة على منعطف تاريخي كوني. آوت السادات، وأمّنت له الملاذ والغطاء بعيداً عن أعين المخابرات والاحتلال، ضاربةً بعرض الحائط خطر السجن والبطش الذي كان يتهددها.
وهنا يبرز العمق الاستراتيجي لرؤيتنا؛ فلولا تلك اللحظة الشجاعة التي حافظت فيها تحية على حياة السادات، لربما تغير مصير مصر والشرق الأوسط بأكمله. لولا هذا العصيان الخفي، لربما قُبض على الرجل أو قُتل، وانطوت صفحته قبل أن يصل إلى سدة الحكم ليقود حرب أكتوبر، ويصنع جبهة استقرار سياسي مكنت مصر لاحقاً من صياغة معاهدة السلام واستعادة أرضها. إن هذا الاستقرار، الذي نعيش ثمرته اليوم من بناء اقتصادي، وتشييد للبنية التحتية، وتأمين لمستقبل الدولة، يرتد في خطه الزمني إلى تلك الليلة المظلمة التي قررت فيها امرأة متمردة أن تقول "نعم" لحياة رجل طريد، لتقول "نعم" لمستقبل وطن بأسره.
رحلت تحية كاريوكا، لكنها تركت درساً بليغاً في هندسة المواقف؛ وتاريخ مصر السياسي لم يكتبه الرجال في القاعات المغلقة فقط، بل كتبت جزءاً مفصلياً منه امرأة شجاعة آمنت بأن العصيان عندما يكون من أجل الوطن، يصبح أسمى درجات الوجود الإنساني.





