المرأة الريفية عماد الحضارة الوطني
- Oujdane Jerbi

- Nov 27, 2025
- 3 min read
Réseau International Des Chaires ICESCO Pensée, Patrimoine, Lettres Et Arts GROUPE DE RECHERCHE SUR " LA PENSÉE ET LA CRÉATIVITÉ DES FEMMES DANS LE MONDE ISLAMIQUE "
|

وجدان الجربي
أستاذة علوم الحياة والأرض
ناشطة بالمجتمع المدني
← السيرة الذاتية :
وجدان الجربي أستاذة علوم الحياة والأرض، حاصلة على ماجستير في نفس المجال وناشطة بالمجتمع المدني في مجال المرأة والمحافظة على التراث. لها العديد من المساهمات في إنجاز مشاريع محلية بجهتها - مكان نشأتها وإقامتها - أهمها تكوين وتأهيل الفتيات للعمل والدراسة على مستوى متقدم ورفيع وكل ما يشمل التمكين الإقتصادي للمرأة. كان لها إنجازات وأنشطة مختلفة في مجال المحافظة على التراث وإيرازه عند ترأسها للمنظمة التونسية للسياحة والثقافة والبيئة بولاية نابل
أود أن أكرم المرأة الريفية في بلدنا تونس. هذه التي تشبه الأراضي الخصبة الخضراء المحيطة بالمدن والقرى. فهي من تحمي هذه الأراضي وتجعلها تزدهر، ونحن نلجأ إليها للاستمتاع بخيراتها والتمتع بالصحة والراحة النفسية..
أود أن أسلط الضوء على امرأة ريفية من داموس الحاجة، معتمدية منزل بوزلفة، ولاية نابل. هذه المرأة لا ترضى بغير أرضها، وتعتبر حاضنة للمدينة.لقد لفتت انتباهي بحرفيتها في إحدى معارض الصناعات التقليدية.
اقتربت منها للتعارف، فاكتشفت أنها تعيش من حرف تقليدية مثل صناعة الأواني الفخارية وصناعة السعف الجمار. أعجبت بمهاراتها واهتمامها بالحفاظ على التراث التقليدي. إنها امرأة رائعة، تجمع بين الجمال والذكاء والعمل الجاد.
ازداد إعجابي بالمرأة الريفية الأصيلة التي تفتخر بنفسها وتراثها، المتشبثة بلباسها التقليدي المميز، الجلباب وغطاء الرأس من البشكير المخطط بالأزرق والأبيض أو الصوفي.
هي لا تعرض منتجاتها التقليدية فقط للربح، بل تساهم في كتابة تاريخ المرأة في داموس الحاجة، وهو إرث يستحق أن يحافظ عليه في منطقتنا. إنها أسطورة حية، تحكي قصة صمود وإرادة في وجه التحديات، محافظةً على حرفتها التي تمثل مورد الرزق الوحيد لعائلتها.
تتمسك خالتي زهرة بتراث الأجداد، رافضةً التخلي عن وسائلها التقليدية في الصناعة اليدوية، رغم هيمنة التكنولوجيا. أكنّ لها كل احترام، فهي تجسد الأرض والشمس الساطعة، شرفنا الصامد وعماد الحضارة.
خالتي زهرة، بحرفية ومهارة، تصنع من السعف قفافًا ومظلات وسجادًا. لسانها ينطق بالخير، وهي صلبة وصابرة، تتحمل التغيرات وتتأقلم معها تُقبل على عملها باكرًا، تقطف الجمار وتُحولها إلى ألياف بيضاء، بإبداع وتمسك بتراثها هي نموذج للمرأة الصبورة والمبدعة، التي تحافظ على تراثها لتتوارثه الأجيال القادمة بكل فخر
خالتي زهرة، بابتسامتها الجميلة وتركيزها في العمل، تُظهر مهارة فائقة في تحويل ألياف السعف إلى قطع فنية رائعة. يذكر أن للسعف أصول رومانية، حيث أن المنطقة بُنيت على أنقاض حي روماني يُسمى ميڨابوليس أو كازولا، والتي تُعرف حاليًا بمنزل بوزلفة. أما داموس الحاجة، فهو مصطلح استُخدم في الحضارة الرومانية وغيرها، ويُشير إلى معبر البحر الأبيض المتوسط للجنود الرومان لذلك يحمل هذا المكان في طياته تاريخًا غنيًا ومتنوعًا مما جعل المرأة في داموس الحاجة تشهد ثقافات متنوعة، من الحضارة الرومانية إلى الإسلام والتحرير الوطني.
تعتبرنساء داموس الحاج رائدات لما يملكن من تراثً غنيً ومتنوعً ساهمن في صنعه والحفاظ عليه كما هو شأن خالتي زهرة وخالتي عارم وغيرهن، يصنعن بأيديهن تحفًا فنية من السعف والطين، ويُحذقن طهي أطعمة تقليدية لذيذة،متمسكات بالأرض التي يعشن عليها فهي منبع الخير، تنبت السعف والزيتون والقمح والشعير. من هذه الأرض يستخرجن تربة طينية يصنعن منها أواني من الفخار تحمل بصمات خاصة بهن.
هنّ نساء صامدات، شامخات كشجرة الزيتون، صلبات كالسعف استطعن تحدي الصعوبات بشتى أنواعها فكان انتاجهن ابداعا واحدى الرموز التاريخية و الهوية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لمنطقة داموس الحاجة. بفضل هذا الابداع أصبح شأنهن شأن كل امرأة ريفية حرفية في تحقيق التطور والازدهارالذاني. تعتمد في عملها على المهارات اليدوية المتوارثة من جيل إلى جيل، وتحافظ على نفس وسائل العمل واللباس واللهجة. أما الوشم الأمازيغي المرسوم على وجه النساء الريقيات فهو جزء لا يتجزء من هويتهن القبلية إذ يعكس تاريخًا غنيًا وثقافة متجذرة، ويتجلى ذلك في رسوم على الذقن تأخذ شكل غصن الزيتون، ترمز للحياة والخير والاستمرارية والصمود. أما النقاط على الوجه تعتبر زينةً وتعبيرًا عن الجمال، بينما يُبرز الكحل جمالية العين ويدل على قوة المرأة واهتمامها بجمالها وخصوصيتها.
رغم التحديات التي تواجهها المرأة الريفية في دموس الحاجة، مثل التغيرات المناخية ونقص الموارد النباتية، وصعوبة قطف نبتة السعف في الطقس الحار، والاستغلال الذي تتعرض له من طرف الوسطاء عند بيع منتجاتها، إلا أنها لا تزال متمسكة بحرفتها اليدوية.
هذا النموذج من المرأة التونسية يجسد روحًا راسخة، تُذكّرنا بالأزمنة الجميلة فنشتاق إليها. السؤال الآن، هل يمكن أن تكون خالتي زهرة وأمثالها رائدات في محيطهن لدعم فكرة إدراج داموس الحاجة ضمن قائمة التراث العالمي اللامادي اعتبارا للدور الهام الذي يلعبه التراث اللامادي في تشكيل الهوية الثقافية للمجتمعات؟







