المرأة المفكّرة والمبدعة وصناعة السلام
- Hela El Mongy

- 24 hours ago
- 8 min read

هالة المنجى
صحفية وكاتبة متخصصة في الإعلام والاتصال.
← السيرة الذاتية :
هالة المنجى هي متخصصة في مجال الإعلام والاتصال، تجمع بين الخبرة الصحفية والإبداع في الكتابة. حاصلة على بكالوريوس الإعلام من جامعة القاهرة، كما حصلت على ماجستير إدارة الأعمال (MBA) من Amideast ، إلى جانب تكوينات متخصصة في مجال الاستيراد والتصدير وتنمية المهارات الشخصية.
تمتلك خبرة تفوق خمسة عشر عاماً في مجال الصحافة، قبل أن تتولى مناصب قيادية، حيث شغلت منصب المدير التنفيذي لجمعية مستثمرين، ثم المدير التنفيذي لمجموعة شركات في قطاع الصناعات الغذائية.
حالياً، تتفرغ للكتابة الأدبية، حيث تؤلف القصص القصيرة والروايات. وقد حظيت بتكريمات تقديرية، من بينها دكتوراه فخرية في مجال الصحافة والكتابة الإبداعية، تقديراً لإسهاماتها في مجالات الثقافة والإعلام.
في عالمٍ تتكاثر فيه النزاعات، وتُدار فيه الخلافات غالبًا بمنطق القوة لا الحكمة، يصبح الحديث عن السلام ضرورة فكرية لا ترفًا أخلاقيًا. غير أن السلام في جوهره، ليس اتفاقيات تُوقَّع ولا بيانات تُقرأ، بل ثقافة تُبنى في العقول والضمائر. ومن هنا، أرى أن المرأة المفكّرة والمبدعة ليست عنصرًا داعمًا لمسار السلام فحسب، بل ركيزة أساسية في إمكان تحققه واستمراره.
الفلسفة منذ نشأتها سعت للإجابة عن سؤال العدل، بوصفه الشرط الأول للسلام. وقد عبّر إيمانويل كانط بوضوح عن هذه الفكرة حين أكّد أن السلام الدائم لا يتحقق إلا عبر العقل، والقانون، واحترام كرامة الإنسان.
كما أكد الفيلسوف إيمانويل كانط في مشروعه للسلام الدائم (1795) أن السلام لا يمكن أن يكون حالة طبيعية، بل يجب "تأسيسه" عبر نظام قانوني دولي، عقلاني وأخلاقي.
يتطلب ذلك جمهورية دستورية تحترم كرامة الإنسان كغاية لا كوسيلة، ونشر الحقوق الدولية، وضمان حرية الشعوب لتجاوز الصراعات.
أهم ركائز السلام الدائم عند كانط:
العقل والقانون: يُعد السلام نتيجة حتمية لتطبيق "العقل العملي" وإنشاء اتحاد فيدرالي بين دول حرة ومستقلة.
احترام كرامة الإنسان: يرى كانط أن الإنسان يجب أن يعامل دائماً كغاية في حد ذاته، وهو ما يحظر استخدامه كوسيلة في الحروب.
الحق الدولي: دعا إلى سلام يقوم على مبادئ الحق الدولي، لتجنب تحويل الحروب إلى إبادة جماعية.
الدستور الجمهوري: أكد على أن الحكومات يجب أن تتبنى الدستور الجمهوري، مما يساهم في إحلال الحرية والعدل.
كانط يرى السلام كواجب أخلاقي يتجاوز المصالح الخاصة، متوجهاً نحو بناء "جمهورية عالمية" تقوم على القانون.
لكن ما يغفله كثيرون هو أن إنتاج هذا العقل الأخلاقي لا يتم في الفراغ، بل داخل المجتمع، في التربية، والثقافة، واللغة، وهي مساحات لعبت المرأة فيها تاريخيًا دورًا حاسمًا، وإن لم يُعترف به دائمًا.
المرأة المفكّرة، في رأيي، تمارس فعل السلام حين تطرح الأسئلة التي يخشاها الخطاب العنيف: لماذا نُقصي؟ لماذا نُقدّس الصراع؟ ولماذا نخلط بين القوة والعنف؟ هذا الدور النقدي يتقاطع مع طرح الفيلسوفة حنّا آرنت التي فرّقت بوضوح بين القوة والعنف، مؤكدة أن العنف يظهر حين تفشل السياسة والفكر.
تطرح الفيلسوفة حنا آرنت تمييزاً جوهرياً بين القوة (السلطة السياسية النابعة من الفعل الجماعي والتوافق) والعنف (أداة أدواتية تدميرية)، مؤكدة أن العنف يظهر حين تفشل السياسة، والحوار، والفكر في إدارة الشؤون الإنسانية.
بالنسبة لآرنت، العنف لا يولد السلطة بل يقتلها، وهو علامة على ضعف السلطة لا قوتها.
أهم ركائز طرح آرنت :
السياسة مقابل العنف: السياسة هي العمل المشترك والحرية، بينما العنف هو إجبار مادي ينهي القدرة على الفعل السياسي.
عجز العنف: ترى آرنت أن العنف "تافه" ولا يمكنه خلق قيمة أو شرعية، وأقصى ما يفعله هو تحقيق أهداف درامية ومؤقتة.
انهيار الفكر: عندما تتوقف السياسة (الفكر والخطاب)، يظهر العنف كوسيلة يائسة، مما يؤدي إلى استبدال الإقناع بالإكراه.
العلاقة بالسلطة: العنف لا يولد سلطة، ولكنه قد يدمرها تماماً إذا تم استخدامه كبديل لها.
تعتبر آرنت أن استخدام العنف يشير إلى أن الفاعل (سواء كانت دولة أو فردًا) قد فقد "سلطته" الحقيقية المستمدة من الشرعية والاتفاق، مما يجعله يلجأ للعنف كـ "طريق مختصر" فاشل.
ومن هنا، فإن الفكر النسوي الواعي لا يُضعف المجتمعات، كما يُروَّج أحيانًا، بل يُنقذها من الانزلاق إلى العنف الممنهج.
أما الإبداع، فهو الوجه الآخر للفلسفة، حين تعجز المفاهيم الجافة عن لمس الإنسان. الفن والأدب ليسا كماليات حضارية، بل أدوات مقاومة سلمية. وقد فهم فريدريك نيتشه هذه الحقيقة حين رأى أن الفن يمنح الإنسان قدرة على احتمال الألم دون أن يتحول إلى كراهية.
رأى فريدريك نيتشه أن الفن ليس مجرد زينة، بل أداة حيوية لتغذية الروح وتحويل المعاناة الحتمية إلى إبداع، مما يمنح الإنسان قدرة على احتمال الألم دون السقوط في الكراهية أو الاكتئاب. اعتقد نيتشه أن الفن يتيح إعادة تصور الواقع وتجاوزه، مستخدماً الألم كمصدر للإبداع بدلاً من الانكسار.
يرى نيتشه في الفن وسيلة لتأكيد الحياة والاحتفاء بها رغم مآسيها، وهو ما يعد ركيزة في دعوته لـ "حب القدر" (Amor Fati).
والمرأة المبدعة، عبر الرواية، والشعر، والسينما، والموسيقى، تعيد سرد الحكاية الإنسانية من زاوية الضحية لا الجلاد، ومن منظور الحياة لا الموت.
لست أرى الإبداع النسوي مجرد تعبير ذاتي، بل خطابًا أخلاقيًا عالميًا. فقد استطاعت فرجينيا وولف أن تكشف في كتابها ثلاث جنيهات العلاقة العميقة بين البنى الذكورية للحرب وإقصاء المرأة عن المجال العام،
معتبرة أن السلام يبدأ من تحرير العقل من ثقافة الهيمنة. وهو طرح لا يزال صالحًا اليوم، في عالمٍ تُدار فيه النزاعات بعقلية الغلبة لا الشراكة.
يعالج الكتاب فكرة الحرب وآلية منع الحرب من وجهة نظر نسوية، تضع فيه الرجل كمشارك للحوار أو مادة لمساءلة دور الرجل في الإسهام في الحروب. تبدأ كتابها بالإشارة إلى رسالة جاءتها من قارئ مفترض، مبينة أن ثلاث سنوات تُعد مدة طويلة جداً للإجابة عن سؤال القارئ: كيف نمنع الحرب؟
التاريخ نفسه يشهد بأن المرأة حين أُتيح لها الفعل، اختارت غالبًا طريق الحياة. ففي السياق الإسلامي، لا يمكن تجاهل الدور العقلي والأخلاقي للسيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، التي لم تكن مجرد داعمة عاطفية، بل شريكة في مشروع قيمي قائم على الصدق والسلم والعدل.
هي أول من آمن بالرسالة المحمدية، وأعظم سند مادي ومعنوي للنبي صل الله عليه وسلم. قدمت كل ثروتها لنصرة الإسلام، وكانت أول امرأة في الإسلام، وواسته بنفسها ومالها في أحلك الظروف (الحصار)، ولقبها النبي بـ "سيدة نساء الجنة".
أبرز ما قدمته للإسلام والسلام :
أول من آمن: كانت خديجة أول من آمن بالرسول صل الله عليه وسلم فور نزول الوحي، وصدقته عندما كذبه الناس، وثبتت فؤاده.
دعم مادي لا ينضب: سخرت ثروتها التجارية الكبيرة (وكانت من أغنى قريش) لخدمة الدعوة الإسلامية والإنفاق على النبي والمسلمين، خاصة في فترات الحصار في شعب أبي طالب.
الدعم المعنوي والنفسي: كانت "وزير صدق" للنبي صل الله عليه وسلم، احتوت خوفه بعد لقاء جبريل، وطمأنته، وكانت مصدر سكن ومودة، مما جعلها خير قرين في أخطر مراحل الدعوة.
نشر السلام والاستقرار: بفضل حكمتها ورجاحة عقلها، كانت خير عون للنبي صل الله عليه وسلم في بيته، وفرت له بيئة مستقرة وادعة، مما ساعده على التفرغ لرسالته، وقدمت نموذجاً يحتذى به في التضحية.
أثبتت مكانة المرأة: بكونها أول من آمن، أعلت شأن المرأة في الإسلام، وبشرها الله ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
كما تمثل زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام) دوراً تاريخياً بطولياً بعد استشهاد أخيها الحسين في معركة كربلاء (61 هـ (وأصبحت نموذجًا فلسفيًا نادرًا لقوة الكلمة في مواجهة الطغيان، حيث حوّلت الهزيمة العسكرية إلى انتصار أخلاقي ما زال حيًا في الوجدان الإنساني
قادت مسيرة السبايا، وحولت الهزيمة العسكرية إلى انتصار إعلامي وسياسي عبر خطبها البليغة في الكوفة ومجلس يزيد بدمشق، مفندةً رواية السلطة، وكاشفةً حقيقة ما حدث.
أبرز ما فعلته زينب بنت علي:
الموقف في كربلاء: وقفت صابرة ومحتسبة بعد مقتل أخيها الحسين، وأبنائها، وبني هاشم، ورعت النساء والأطفال رغم حرق الخيام والترويع.
دورها في الكوفة والشام: ألقت خطبًا قوية في الكوفة ودمشق، هاجمت فيها يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد، ودافعت عن نهج الحسين، مما قلب الرأي العام ضد السلطة الأموية.
فضح الظلم: وصفت أفعال جيش يزيد في خطبها، وقالت قولتها الشهيرة التي ترويها المصادر الشيعية: "فكِد كيدَك، واسعَ سعيَك، وناصب جهدَك، فوالله لا تمحو ذكرنا".
نقل الحقائق: نقلت للعالم حقيقة ثورة الحسين وأبعادها، فاعتبرت "أم المصائب" والشخصية التي وثقت الثورة وتاريخها.
عُرفت بشجاعتها الفائقة، وبلاغتها، وصبرها، ويُعد دورها أساسياً في ترسيخ أحداث كربلاء في الوجدان التاريخي.
وفي العصر الحديث، تُعد تجربة نساء ليبيريا مثالًا ساطعًا على ما يسميه عالم السلام يوهان غالتونغ بـ «السلام الإيجابي» أي السلام القائم على العدالة والمصالحة لا مجرد إسكات السلاح. لم تحمل هؤلاء النساء السلاح، بل حملن الوعي والإصرار، ونجحن حيث فشلت القوى المسلحة.
كان للنساء الدور الفصل في إحقاق السلم في ليبريا و هن الآن الجزء الرئيسي في عملية إعادة بناء المجتمع الليبري إثر الحرب الأهلية في البلاد.
عملت الحركة إثر انتهاء الحرب على جعل تضمين النساء أولوية في عملية إعادة الإعمار , و تقلدت المرأة اللبيرية وزارات النقد و العدل و الشباب و الرياضة , و التنمية . كما انتخبت سيدة لرئاسة البلاد بعد أربع سنوات من توقيع اتفاقية السلام.
خلال تلك الحرب الأهلية , انتشر الرعب و الفاقة , تشرذمت العوائل , و ساد القتل الوحشي , و أجبر الأطفال على أن يصبحوا جنوداً. حين اجتاحت الحرب المناطق الريفية , قام المسلحون من الطرفين بإحراق القرى ,
واغتصاب النساء و تجنيد الصبيان. ألاف المواطنين هربوا من قراهم و لجئوا لمنروفيا ,عاصمة ليبيريا , حيث أقاموا في مخيمات تفتقر للغذاء و لمياه الشرب.
كرد على هذا النزاع, قررت الناشطة ليما غبوي (الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2011) حشد نساء من كنيستها للتظاهر ضد الحرب. في البداية, توجهت لمئات السيدات في الكنيسة اللوثرية التي تنتمي إليها للصلاة من أجل إحلال السلام.
في أحد اجتماعات النساء في أذار 2003, تحدثت المسلمة أستو باه كينيث للحشود و أعلنت أنها ستجلب نساء مسلمات للانضمام للنساء المسيحيات للمطالبة بالسلام من الرئيس و أمراء الحرب.
في الأول من نيسان , قامت المجموعة المتحدة من نساء مسيحيات و مسلمات بأولى مظاهرتهن. و استخدمن المذياع لبث كلمة كل من غبوي و جانيت جونسون بريانت بغية تشجيع النساء في منروفيا لإعلاء الصوت حول السلام.
حيث سمعت العديد من النساء النازحات داخلياً كلماتهن على المذياع , انضممن للحملة أيضاً. اجتمعت النساء مرتديات ملابس بيضاء بالكامل أمام سوق السمك يومياَ لمدة أسبوع. وقفن و رقصن و غنين للسلام.
وبعضهن حملن لافتات تقول" نساء ليبريا يردن السلام حالاَ".
من وجهة نظري، الخطأ الأكبر الذي ما زال العالم يرتكبه هو التعامل مع السلام كقضية أمنية، لا كمشروع ثقافي وأخلاقي. وهنا تحديدًا تكمن أهمية المرأة المفكّرة والمبدعة؛ فهي تعيد تعريف القوة باعتبارها قدرة على الفهم، لا السيطرة، وعلى الاحتواء لا الإقصاء. وهو ما يتقاطع مع رؤية جون رولز الذي اعتبر أن السلام المستدام لا يقوم إلا على العدالة والإنصاف.
يرى الفيلسوف جون رولز أن السلام المستدام لا يتحقق إلا عبر مجتمع حسن التنظيم يقوم على "العدالة كإنصاف"، حيث تُصاغ المبادئ السياسية والاجتماعية لضمان الحقوق والحريات المتساوية، وتوزيع المزايا والتعاون الاجتماعي بشكل منصف يعزز خير الجميع، ولا سيما الفئات الأقل حظاً.
أبرز ملامح رؤية جون رولز للعدالة والسلام :
العدالة كإنصاف: يرى رولز أن المبادئ العادلة هي تلك التي يتفق عليها أشخاص أحرار ومتساوون في "وضع أصلي" من المساواة، دون معرفة امتيازاتهم الشخصية، وهو ما يضمن الحيدة والنزاهة.
المجتمع حسن التنظيم: هو مجتمع يهدف لضمان خير أفراده ومحكوم بتصور عمومي للعدالة، حيث تحترم المؤسسات الاجتماعية هذه المبادئ وتجسدها.
مبادئ العدالة: تتلخص في مبدأين أساسيين:
الحرية: حق كل فرد في الحصول على أكبر قدر من الحريات الأساسية المتساوية.
اللامساواة المنصفة: لا تُقبل التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية إلا إذا كانت مرتبطة بمناصب مفتوحة للجميع (تكافؤ الفرص) وتحقق أكبر فائدة لأقل أفراد المجتمع حظاً.
التعاون الاجتماعي: السلام المستدام يتطلب التعامل مع المجتمع كنظام تعاوني عادل لتوزيع الأعباء والمزايا.
الاستقلالية الأخلاقية: التربية الأخلاقية عند رولز تهدف إلى الاستقلالية، وتدفع الأفراد لاحترام مبادئ العدالة كجزء من طبيعتهم ككائنات عقلانية.
باختصار، يعتبر رولز أن التفاوت واللامساواة يمكن تبريرها فقط إذا كانت تعمل لصالح الفئات الضعيفة وتساهم في استقرار المجتمع (سلام مستدام) من خلال العدالة.
ختامًا، أؤمن أن السلام لن يصنعه من اعتادوا لغة الحرب، بل من امتلكوا شجاعة التفكير خارج منطقها. والمرأة، حين تُمنح حق التفكير وحرية الإبداع، لا تُسهم فقط في تهدئة العالم، بل في إعادة بنائه على أسس أكثر إنسانية.
إن صوت المرأة المفكّرة والمبدعة ليس صوتًا مكمّلًا، بل صوت ضرورة، في عالمٍ لم يعد يحتمل المزيد من العنف، ويحتاج – أكثر من أي وقت مضى – إلى حكمة العقل وصدق الجمال.
المراجع:
إيمانويل كانط – نحو السلام الدائم
حنّة آرنت – في العنف
سيمون دي بوفوار – الجنس الآخر
فرجينيا وولف – ثلاث جنيهات
جون رولز – نظرية في العدالة
يوهان غالتونغ – السلام: الوسائل والغايات
فريدريك نيتشه – مولد التراجيديا



