top of page
  • Instagram
  • Facebook
  • Youtube
  • ICESCO

آني إرنو و الإعلان عن موت الكاتبة العربية أو كتابة الذات والخوف من الوصم


Fatima Ben Mahmoud








فاطمة بن محمود


شاعرة وكاتبة تونسية





مدخل:

 

رأى بعض الكُتّاب، مثل كافكا وإيليوت وأورويل، أن كتابة السيرة الذاتية، سواء كتبها المبدعون أنفسهم أو غيرهم، هي تجربة ذاتية تخص صاحبها فحسب، مما يعني افتقارها إلى قيمة أدبية؛ أي أن حياة المبدع الشخصية لا تهم سواه ولا تهم قرّاءه بشيء. ويدعو هؤلاء بذلك إلى تنقية الكتابة من أي حضور للذات، سواء كان عفويًا أو مقصودًا. ولكن، يبدو أن التحولات الهامة التي شهدها التاريخ الإنساني قد نقلت الكتابة من التعبير عن تفكير المجموعة وأحلامها وانتصاراتها وانكساراتها إلى كتابة الفرد، ومن الاحتفاء بالآخر إلى تمجيد الذات. وكان هذا التحول فلسفيًا مع ديكارت الذي أعلن مركزية الأنا عبر الكوجيتو "أنا أفكر إذن أنا موجود". كما تعمّق هذا التحول باكتشاف منطقة اللاوعي مع فرويد، بالإضافة إلى التحولات السياسية المعاصرة التي كرّست وجود الفرد الواحد و تمجيده من خلال منظومة سياسية و اقتصادية ليبرالية. وبما أن المبدعين هم نتاج واقعهم، وليسوا كائنات تنزل من السماء أو تنبت كالفِطر من الأرض، فقد كان الوضع مهيأ لبروز كتابة السيرة الذاتية. ولهذا، عندما كتب جيمس جويس ومارسيل بروست سيرتيهما، لاقى ذلك احتفاءً، مما ولّد اهتمامًا لافتًا بالسيرة الذاتية في الأدب.

 

1/ كتابة الذات و الدخول لمناطق الظل:

 

     عندما نرغب في تناول موضوع كتابة الذات أو كتابات الأنا، نجد أنفسنا في وضع مُلتبس إلى حد ما، نظرًا للتقارب والتداخل بين أجناس أدبية متعددة تستكشف الذات بطرق مختلفة، مثل اليوميات والمذكرات والسيرة الذاتية وكتابة البورتريه والرواية السِيرية وغيرها. لذلك، نحتاج إلى الاعتماد على الباحث فيليب لوجون كمدخل لمقاربة علمية لكتابة الذات، وتحديدًا للسيرة الذاتية.

 

  • السيرة الذاتية، المفهوم و الرهان:

 

تتميز السيرة الذاتية بطبيعتها المتغيّرة التي يصعب حصرها في تعريف واحد شامل ونهائي. ومع ذلك، يمكننا الاستناد إلى رأي فيليب لوجون الذي يرى أنه "لكي تكون هناك سيرة ذاتية (وأدب شخصي بصفة عامة)، يجب أن يكون هناك تطابق بين المؤلف والسارد والشخصية" (1). ويُحدد لوجون الشرط الأساسي لذلك، وهو ضرورة وجود "ميثاق صدق" بين المؤلف والقارئ، جعله في عبارة واضحة وضعها كعنوان فرعي: "أنا الموقع أدناه" (2). وهذا يعني أن المؤلف يُقِرُّ بأن ما يرويه هو حياته الشخصية كما عاشها بالفعل، وليس كما يتخيّلها. ويُوَضح فيليب لوجون هذه النقطة بقوله "يمكن لتطابق الاسم بين المؤلف والسارد والشخصية أن يتحقق بطريقتين: ضمنيًا أو بطريقة جليّة" (3). وبهذا، يُبرم عَقدٌ بين المؤلف والقارئ؛ حيث يلتزم الأول بكتابة سيرته الشخصية، ويكون الثاني مُدركًا أنه أمام تجربة واقعية وليست متخيّلة.

 

تكمن أهمية هذا العَقد في تأكيده أن النص المكتوب يُحيل إلى سيرة المؤلف الواقعية ولا يرتبط بعالم متخيّل. ويرى لوجون أن هذا التطابق مع الواقع دقيق ولا مجال فيه للتخيّل. انطلاقاً مما سبق، نفهم أن السيرة الذاتية هي كتابة للتجربة الشخصية بكل ما فيها من هفوات وأخطاء؛ إنها الدخول إلى مناطق الظل ومواجهة كل الميراث الشخصي دون شعور بالذنب أو خوف من مراقبة الآخرين، ودون اعتبار لسلطة المجتمع. أي أنها كتابة الذات بعيداً عن ضوابط الأحكام القِيمية والأخلاقية وخارج منطقة الوصم الاجتماعي.

 

2/ الكتابة عن الذات: الجرأة التي جعلت آني إرنو تتقدم الجميع

 

بالعودة إلى الأدب، نجد العديد من الأعمال التي تندرج تحت خانة السيرة الذاتية عالميًا وعربيًا، ومن أبرزها "الاعترافات" لروسو، و"الأيام" لطه حسين وغيرها الكثير. إلا أن طبيعة المبدع ورغبته الواعية في التحرّر من قيود النقاد قد تدفعه إلى سلوك مسارات جديدة في كتابة الذات تقطع مع ما رسمه المنظّرون. وبذلك، نتحدث عن المبدع الحقيقي الذي يدخل الكتابة بروح المغامر المتوثّب، ويفرض على المنظّر والناقد والقارئ أن يلاحقوه ويقتفوا أثره لتصنيف كتابته الأدبية.

بهذا المعنى، يمكننا الحديث عن التجربة الروائية في كتابة السيرة الذاتية للروائية الفرنسية آني إرنو.(4) في منجزها الروائي، لم تبحث إرنو كثيرًا عن المواضيع بعيدا عنها ولم تُرهق نفسها بتأمل حياة الآخرين، بل وجّهت نظرها نحو ذاتها وصوّبت قلمها نحو مناطق الظل في حياتها، وكتبت تجاربها الشخصية. تقول آني إرنو: "بدأتُ في صنع كائن أدبي من نفسي، شخص يعيش كما لو أن تجاربه يجب أن تُكتب يومًا" (5)، ومع ذلك، فإن نقلها لهذه التجارب الواقعية لا يتم بشكل متطابق أو فوتوغرافي، بل يمر عبر إعادة بناء سردي للذاكرة. وبما أن الذاكرة ليست كاملة، فإن إرنو تحتاج إلى سَد الفراغات الصغيرة بتأويل ذاتي لا يهدف إلى إعادة خلق الأحداث، بل إلى إعادة تركيبها سرديًا، لذلك في حوار معها تؤكد بوضوح أن كل كتاباتها تنبع من ذاتها، تقول: "أنطلق من نفسي، وأُعيد بناءها عبر الكتابة" (6).

 وهذا يعني أن السيرة الذاتية التي تكتبها تتضمن استحضارًا للذاكرة واستنطاقًا سرديًا لها، وفي هذا السياق لا يوجد تخييل بالمعنى الروائي، بل تأويل للماضي.

تناولت إرنو في كتاباتها مراحل مختلفة من حياتها؛ كتبت عن مرحلة المراهقة في «ما يقولونه أو لا شيء»، و وثّقت أولى تجاربها الجنسية في «مذكرات فتاة»، و تطرقت إلى تعرضها للإجهاض عندما كان ممنوعاً قانونياً في «الحدث»،كما تناولت زواجها في «المرأة المجمّدة»، وخيانة زوجها في «الاحتلال»، وعلاقة حب مضطربة مع شاب أصغر منها في «شغف بسيط». وكتبت أيضاً عن والدتها في «امرأة»، وعن إصابتها بسرطان الثدي في «استعمال الصورة»، وعن أختها في «الفتاة الأخرى» التي هي عبارة عن مجموعة رسائل، وغيرها. كانت أرنو تكتب بصيغة المخاطب (أنا) وأحياناً بصيغة الغائب (هي)، وفي كلتا الحالتين كانت تستقي مادتها من تجاربها الشخصية وتقدمها في صورة روايات.

 

 ما فعلته إرنو في كتابة سيرتها الذاتية أنها لم تنفصل عن نموذج فيليب لوجون، بل انطلقت منه؛ فهي تكتب باسمها الحقيقي، وبالتالي تحافظ على ميثاق الصِدق، وتجعل من ذاتها متطابقة مع الساردة أو الشخصية الرئيسية. ولأن الذاكرة ليست كاملة، فإنها تجمع الصور الذهنية المتعددة والمختلفة وتعيد تركيبها. بمعنى آخر، هي لا تلتزم بسيرة ذاتية تتماشى تمامًا مع ما اقترحه لوجون، حيث لا تتطابق بشكل صارم مع الواقع الذي عاشته، كما أنها لا تكتب سيرة ذاتية تخييلية تمزج بين الواقع والتخييل، بل اختارت أن تكون في منطقة وسطى (تُسمى الكتابة المُسطّحة أو المنطقة المحايدة)، في لقاء أدبي حول كتابها "La Place"، ذكرت آني إرنو أن وصف أسلوبها بـ"الكتابة المُسطّحة" (écriture plate) لم يكن تعبيرًا عن بساطة فنية، بل عن رغبتها في كتابة وقائع الحياة بموضوعية ودون إغراء القارئ بكتابة زخرفية منمّقة. تقول: "لا توجد هنا شعرية الذكرى، ولا تهكّم مفرح. تأتي إليّ الكتابة المسطّحة بطبيعتها، نفسها التي كنت أستخدمها في كتابتي لوالديّ لأقول لهما الأخبار الأساسية" (7). كما تصف إرنو أسلوبها بأنه بسيط وخالٍ من الزخرفة اللغوية، و لا يهدف للاعتراف أو التكفير عن خطيئة،

فهي لا تنكر أبدًا في كل حواراتها أن ما كتبته لا يُمثلها بالضرورة، دون أن تتطابق تمامًا مع الواقع؛ تعترف في أحد حواراتها بأنها تُجري تعديلات على أسماء الأشخاص والأماكن وبعض التفاصيل المحيطة بها، وذلك دون أن تغرق في التخييل الذي يبعدها عن تجربتها الخاصة، كما أنها لا تسرد حياتها بشكل خَطّي مستقيم، بل تنتقي اللحظات القاسية التي تركت أثراً في ذاتها وتحولت إلى جرح في لاوعيها (كالإجهاض، أو الخيانة، أو الموت أو الصدمات العائلية).

 

تهدف إرنو إلى تحويل تجربتها الفردية إلى مادة ذات دلالة اجتماعية؛ أي أن ذاتها تصبح وسيطًا للعبور إلى الآخرين وأداة لفهم الواقع الاجتماعي وتحولاته المختلفة، وبذلك تُحَوّل تجربتها الشخصية إلى وثيقة أدبية تعكس حياة الكثير من الناس، مما يجعل القارئ يرفع رأسه وهو يقرأ لها ويهتف: "يا لها من حياة مثيرة تشبه ما مررتُ به يوماً". ولهذا يقول جورج ماي: "إن معجزة السيرة الذاتية هي أن حديث المرء عن أخص خصائص حياته هو الذي يجعل قارئ سيرته الذاتية يجد نفسه فيه" (8).

 

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الهدف من كتابة آني إرنو سيرتها الذاتية لا يتمثّل في الاعتراف بخطأ؛ فإرنو لا تكتب لطلب الغفران أو الاعتذار أو التطهير من ذنب، بل تكتب لتقديم تجربة تمثلها أصالةً، وتشير إلى الآخرين. هذا ما يجعل تجربتها تتجاوز الأنا الضيّقة لتُمثّل الآخر. لذلك، يمكننا القول إن آني إرنو كاتبة متصالحة مع ذاتها، ومغامِرة، لا تشبه إلاّ نفسها، تتقدم الجميع لتُدشّن قارة جديدة في كتابة الذات يسكنها مبدع لا يخشى التعرّي ولا يستحي من خطاياه؛ تلك الخطايا التي تُمَثّل حقيقة الإنسان.

 

 

3/ كتابة الذات عربيا: الخوف النابت في اللاوعي

 

لقد انتشر أدب كتابة الذات عالميًا، وحُظي بصدى واسع بين الناشرين والنقاد والقُرّاء على حد سواء. في المقابل، يبدو أن كتابة الذات في الوطن العربي لا تُحظى بالمساحة التي تستحقها. يعود السبب الرئيسي في ذلك إلى أن المجتمعات العربية والإسلامية تُؤسس أهميتها على قيمة الجماعة على حساب الفرد، وعلى مركزية المجتمع على حساب الذات. في هذا الوضع يصبح الموروث الاجتماعي والمنظومة القيمية والأخلاقية حاجزًا يكبح جماح كتابة الذات ويحاصرها؛ فعلى كل كاتب يخوض غمار كتابة الذات ويُسوّل له نفسه البَوح بلحظاته الحميمية وتجاربه القاسية أن يتوقع المشانق التي ستنصب له والوصم الذي سيتعرض له، ليُصنَّف ككاتب "متهوّر" أو رَجل "بلا شرف"، ويُواجه بالنبذ في نهاية المطاف.

من هنا، ندرك تأثير الثقافة المجتمعية ونلاحظ الفرق بين ثقافة تتأسس على مقولة "إن عصيتم فاستتروا" (9)، والتي تجعل كل ما يرفضه المجتمع واجب الإخفاء والتستّر عليه، وبين ثقافة تتأسس على مفهوم الاعتراف كسبيل للتطهّر والشفاء الروحي، كما في مقولة "إني اعترفتُ بخطاياي" (10).

بالتالي، يفرض المجتمع العربي بثقله الثقافي ومنظومته القيمية ومسلّماته الأخلاقية قيودًا غير مرئية تمنع الإنسان من كشف ما لا يرغب المجتمع في رؤيته علنًا. يحدث هذا في الثقافة العربية مع الكُتّاب الرجال، ويكون الوضع أشد صعوبة بالنسبة للكاتبات.

 

4/ كتابة الذات والمرأة العربية: عُسر الولادة

 

عندما أتحدث عن كتابة المرأة للسيرة الذاتية، فإنني أعتمد رؤية تفسر ذلك ليس من منطلق جنساني منحاز لمقولة النسوية ومؤيديها، بل من زاوية الاقتراب من نص إبداعي بقلم امرأة يحمل هواجسها وأحلامها وانكساراتها.

هنا نجد قلم المرأة مشدودًا إلى الضمير الجمعي الذي يسكنها، والذي يجبرها على الكتابة داخل إطار المجتمع. ولهذا، نجد الكاتبة تضطر إلى التصريح في كل مناسبة بأن ما تكتبه من روايات وقصص و قصائد لا يمت إليها بصلة ولا يُمثّلها، وأن الشخصيات التي تبتكرها والوقائع التي تتناولها جميعها من نسج الخيال، وذلك لتكون في مأمن من العيون المُتلصّصة على كتاباتها وبعيدة عن أي صدام مع المجتمع.

يزداد الأمر صعوبة عندما يتعلق الأمر بكتابة الذات، وتحديداً في السيرة الذاتية، حيث لا يمكن التخلص من الرقيب الذاتي الذي يقتحم الخصوصية ويجعل الكاتبة تكتب تحت ضغط الآخرين. هذا يحدّ بشكل كبير من الكتابة عن الذات؛ فإذا ظهرت، ستكون مزخرفة لتقدم صورة ملائكية ونموذجاً اجتماعياً مثالياً، وصوتاً عائلياً يتّسم بـ"النظافة" والطهارة. ونتيجة لذلك، لن تكتب الكاتبة صورتها الحقيقية التي تُمثّلها، ولن تتعمّق في تجاربها الشخصية لتقتحم مناطق الظل وتُسلّط الضوء على المسكوت عنه، متناولة كل ما هو مُدان أو خاطئ ومحوّلة إياه إلى نصوص تُقرأ علناً، بل ستقدم الصورة التي يتوقعها المجتمع، مما يعني أنها ستعرض نصف الحقيقة فقط؛ فنحن - حينها - لن نرى من جبل الثلج سوى قمته الظاهرة فوق سطح البحر، متغافلين عن الجزء الأكبر الراسخ في القاع.

 

 

أ/ الخلفية الجندرية: نوال السعداوي والتشهير بالوعي الذكوري

 

يتأثر الكاتب بالمكان لأنه لا يُعد معطىً جغرافيًا فحسب، بل هو أيضًا إرث ثقافي ومنظومة قيم متجذّرة تُؤثر بعمق في الذات وتوجه تفكيرها وانفعالاتها. وقد أكدت الدكتورة جليلة طريطر هذا المعنى في كتابها "مراثي النساء" (11)، حيث قدمت فهمًا نقديًا لكتابات الذات باعتبارها مرتبطة بالواقع والتجربة الشخصية ضمن سياقها التاريخي والمكاني. هذا يعني أن ما تكتبه النساء يعكس تجاربهن الخاصة في بيئتهن ومجتمعاتهن، ولا يقتصر على نصوص عامة أو تجارب حياتية مستقلة بذاتها.

 

يترتب على ذلك أن للمكان والثقافة المجتمعية تأثيرًا عميقًا على المرأة، لا سيما أن الثقافة العربية ارتبطت بنزعة ذكورية سلطوية ترسّخت عبر تاريخ طويل من القمع المتواصل، مما أدى إلى تشكيل ذات أنثوية عانت من الاضطهاد عبر تاريخها.

 

مع ظهور موجة النسوية التي اجتاحت العالم، والتي تزدهر في ظل الواقع التسلطي الذي يُغذيها، ظهرت لدى الكاتبات العربيات ذات تسعى للتحرر من سلطة الوعي الذكوري وهيمنة الثقافة الأبوية. وهنا يمكننا الحديث عن سيرة ذاتية تُكتب أساسا لمواجهة الوعي الذكوري وتحدي ثقافة المكان بصفته فضاءً ثقافيًا بامتياز. ولعل نوال السعداوي من أبرز من كتبت سيرتها الذاتية لتعرية الوعي الذكوري وتحميله مسؤولية الواقع القمعي.

 

في كتابها "أوراقي، حياتي" (12)، تتناول نوال السعداوي في الفصل الأول ظاهرة وأد البنات التي كانت منتشرة قديمًا، وتشير إلى أنه حتى زمن ولادتها كانت الأنثى لا تزال تعاني من الوصم، وأنه وإن لم يعد الوأد حقيقيًا، فإنه يستمر بدلالاته المتعددة. ولهذا نجد الحزن يخيم على الآباء عند ولادة الأنثى وكأن عارًا مؤجلاً حلّ بهم.

 

في كتابها "أوراقي.. حياتي" كتبت نوال السعداوي "سمعتُ من الناس أن الله هو الذي يخلق الذكر والأنثى، سمعت أنه قبل زمن طويل كانت البنت تدفن في القبر وهي طفلة. (....) الزمن الذي وُلدتُ فيه كان أفضل، لم يكن يحدث شيء حين تولد الأنثى، فقد يصيب الناس الحزن، لكن الحزن أخفّ من الوأد، فقد ينطوي على رغبة مخبوءة في الوأد، إلا أنه يظل حزنًا لا غير، يظل شيئًا طافحًا فوق الوجوه، لونًا قاتمًا يخفي الشيء العظيم. في أول أيام الولادة لا تشهد المولودة هذا الحزن، عيناها المفتوحتان لأول مرة على العالم بريئتان صغيرتان عاجزتان عن رؤية المخبوء. كنتُ أنا واحدة من هؤلاء البنات المولودات" (13).

 

يبدو أن نوال السعداوي في كتابها لا تتحدث عن سيرتها الذاتية بقدر ما تكتب سيرة الأنثى في تاريخها القمعي، ولذلك تُوجه إصبع الاتهام نحو الوعي الذكوري وتُحمّله مسؤولية القهر الاجتماعي الذي تعانيه المرأة والممتد عبر تاريخ طويل من الاضطهاد. وعليه، لم تكن السعداوي تسرد سيرتها الذاتية بل سيرة كل النساء، ولعل هذا ما يجعل خلفيتها الفكرية هي التي تقودها إلى البوح؛ بمعنى أن الهدف من كتابة السيرة مُوجَّه ليس لإنتاج نص أدبي يحتفي بالتجارب الشخصية، بل تستخدم السيرة الذاتية لدعم أفكارها النسوية، أي أن ما تكتبه عن حياتها ليس سوى حجة إثبات على الوعي الذكوري المتسلّط، هذا يعني أن نوال السعداوي أرادت أن تضع  رواياتها عموما و سيرتها الذاتية خصوصا في خدمة أفكارها.

لعل ما يجعل السيرة الذاتية لنوال السعداوي، بل كل منجزها الأدبي، لدعم مشروعها الفكري، يؤكد وجود أزمة عميقة في الوعي الجمعي العربي وشرخ عميق في لاوعي المرأة؛ لذا لم تتخلص المرأة الكاتبة من جراحها أثناء الكتابة.

 

تأثرت فيرجينيا وولف بالحركة النسوية في زمنها، بل اعتُبرت إحدى رائداتها؛ حيث كانت تُحاضر في فضاءات جامعية وأدبية متعددة، تحرّض النساء على الكتابة و تقودهن نحو الإبداع. ومع ذلك، لم يُشر أحد إلى أنها جعلت من الأفكار النسوية موجِّهة لمنجزها الأدبي أو أنها كتبت رواياتها بتأثير منها.

 

وبالمثل، تعترف آني إرنو بأن مجتمعها الفرنسي لم يخلُ من الوعي الذكوري، لكنها لم تكرّس رواياتها لمواجهة هذا الآخر؛ لأنها تعتقد أن فعل التحرّر يجب أن يكون داخليًا، وأن تملك الجرأة للكشف عن عيوب روحها، ومن ثم تقديم تجاربها الشخصية للمجتمع لكي يراجع أفكاره، هي الطريقة الأمثل بالنسبة لها. ولذلك، في حوار أُجري معها، طُرح عليها سؤال حول موقفها مما كتبته كاتبات عربيات مثل فدوى طوقان ونوال السعداوي، فكان ردها واضحًا، حيث قالت: "الهيمنة الذكورية واقع مشترك بيننا وإن بدا بأشكال مختلفة (...). لكن ما أود أن أقوله هو أن الحرية التي يَسعين لاكتسابها ستظل دائمًا شيئًا يمكن أن يفخرن به، لأنه ليس فقط الذات وحدها تتحرّر من خلال فعل الكتابة، بل وأيضًا الكثير من النساء الأخريات" (14). وعندما سُئلت في الحوار ذاته عن رواية "شغف بسيط" مثلا، أجابت: "إنه كتاب سياسي؛ لأن من كتبته كامرأة يخرج تمامًا عن الصور النمطية من خلال البوح بقصة حب. نَهْجِي الكتابي هنا مادي وصفي: أفعال وأفكار تُشكّل طبيعة الإحساس بالشغف، والموضوع الجنسي محوري هنا. إنه نص قصير جدًا كان مُحررًا للعديد من النساء، وقد غَيّر أيضًا نظرة الذكور إلى كتابات النساء".

 هذا يعني - عكس نوال السعداوي - أن إرنو لم تجعل أفكار لرواياتها بل جعلت في رواياتها أفكار تدافع بها عن النساء و عن الرجال على السواء.

 

ب/ التستّر عن الوعي الجمعي: يُمنى العيد و الحاجة للقرين

 

في ظل هيمنة اجتماعية تتسع لتشمل كل مجالات الحياة وتَسدّ كل المنافذ الممكنة، تحتاج الكاتبة أحيانًا إلى "قرين" تبتكره لتكتب من خلاله. يُمثّل القرين في الأدب، حسب تعريف جابر عصفور، عدة وظائف رمزية؛ فهو "أحيانًا تمرّد لا شعوري أو فرار من ضغوط لا قِبل للوعي بها، فيغدو لازمة من لوازم صراع غير معلن بين الدوافع المتناقضة المتصارعة للذات، أو يغدو مرآة معرفية يتأمل فيها الوعي نفسه" (15).

 

اتخذ "القرين" شكل المرآة لدى الدكتورة اللبنانية يُمنى العيد في كتابها "أرق الروح". في هذا الكتاب الذي قدمته على أنه "سيرة"، تروي الكاتبة مسيرتها في الحياة والكتابة، وصراعها مع الذات انطلاقًا من اسمها الحقيقي "حكمت الصَبّاغ الخطيب" الذي يحمل حُمولة ذكورية أزعجها، وصراعها مع الآخر بدءًا من الروابط العائلية وصولًا إلى المجتمع الذي يفرض قيوده على الجميع. هنا، احتاجت يُمنى العيد إلى المرآة كأداة لمناجاة نفسها وتصفية الحساب مع كل الموروث الاجتماعي الذي حبسها في جسد أنثى مسلوبة الإرادة.

تقول يُمنى العيد: "أقف أمام المرآة كأني أبحث عن هذه التي كُنتُها، كأني وأنا أقترب من الموت أود أن أشعل الحياة في موتي" (16). وتضيف: "هذا الأنا الذي يؤرقني، أنا الأنثى التي عليها أبدًا أن تكون تحت الوصاية... أنا غير متصالحة مع أنوثتها وإن كانت لا ترفضها، لكنها لا تعيش امتيازاتها التي وهبتها إياها الطبيعة، ولا أتجرأ على حوارها، أو التعرف إليها في مرآتها المكسورة، مرآتي التي تشظت باكرًا، وتركتني للصمت" (17).

 

يقول الدكتور عبد المجيد بن البحري متحدثا عن يُمنى العيد "لقد وظفت لنفسها تقنية "المرآة" للتعبير عن رغبة الذات في معرفة حقيقتها و استبطان دخائلها العميقة واستكشاف هويتها الملتبسة و المنشطرة إلى أكثر من أنا" (18). هذا ما يُحوّل المرآة إلى قناع تختبئ خلفه الكاتبة لتتمكن من التحدث عن نفسها، و يصف الدكتور بن البحري ما حدث مع يُمنى العيد في كتابيها "أرق الروح" و "زمن المتاهة" بأنه أشبه بحضور "حفل تنكّري ذي طابع كرنفالي تتعدّد فيه الأقنعة حتى تكاد ملامح "الوجه الحقيقي" (وجه حكمت الصباغ) يُطمس وتُنسى تحت "أقنعة - أسماء" مختلفة، يُعَبّر كل منها عن تجربة حاسمة في مسار حياتها" (19).

 

 كَتبت الناقدة أسيمة درويش مقالاً عن كتاب "أرق الروح" (سيرة يُمنى العيد) وعنونته بـ "عندما يكتبُ الكِبار" ، قامت فيه بالربط بين يُمنى العيد و فرجينيا وولف، حيث قالت: "إنّها يُمنى العيد! لا تكتب بلغةٍ تغمرك بالمتعة والخشوع أمام أسلوب متميّز بفنّيّة عالية وحسب، بل بلغةٍ تملك القدرة على تحويل الفردي إلى إنساني بشفافيّة وسلاسة تُذكّرني بـ «فرجينيا وولف» وفرادتها الخالدة" (20).

 

في الحقيقة فيرجينيا وولف لم تبتكر قناعاً لتتحدث عن سيرتها الذاتية، رغم مرورها بلحظات قاسية جداً، مثل التحرّش المتكرّر من أخيها غير الشقيق، الذي شكّل جرحاً غائراً في أعماقها لم يندمل، وكانت تشير إليه في كل مرة بكل ألم. كما لم تحتاج آني إرنو إلى قناع لتتحدث عن خيانة زوجها لها أو حتى عن خيانتها هي له و عن كل الحماقات التي ارتكبتها والتجارب القاسية التي عاشتها، بل كتبت كل ذلك بصوت واضح، و اعتبرت أن ما اعترفت به في كل رواياتها هو أداة ليس لإدانتها هي بل لإدانة المجتمع.

 

ج/ كتابة الذات و التجمّل: هدى النعيمي و نصف الحقيقة

 

يبدو أن الثقافة المجتمعية في الفضاء الثقافي العربي تؤثر بشكل كبير على النساء، خاصة عند كتابة السيرة الذاتية. هذا التأثير يُغَيّر وظيفة السيرة الذاتية؛ فإما أن تستخدم كوسيلة لتصفية حسابات مع الوعي الذكوري كما رأينا مع نوال السعداوي، أو تلجأ إلى الاختباء خلف وسائط متعددة كـ"القرين" و الذي تجسّد في "المرآة" كما رأينا مع يُمنى العيد. وبناءً على ذلك،تتسم كتابة الذات بطابع انفعالي وسطحي..

 

اختارت الكاتبة العربية طريقة ثالثة لكتابة سيرتها، وهي تمجيد الذات والتباهي بها، فتتحول وظيفة السيرة الذاتية من الكشف عن الممنوع إلى التستّر عليه. بمعنى آخر، تقدم صاحبة السيرة الذاتية نفسها كنموذج لتجربة جاهزة؛ فهي عادة ما تكون قد وُلدت في بيئة مثقفة وفي بيت يعجّ بالكتب، وتذكر أنها واجهت صعوبات لإكمال دراستها، وتغلبت على معارضة العائلة وتحدّت سلطة الأب لتحجز لنفسها مكانًا في المشهد الأدبي الذكوري.

 قد تكون كل هذه الأحداث حقيقية، لكنها ناقصة لأنها تسلّط الضوء فقط على ما يسمح به المجتمع. وعليه، تكتفي الكاتبة بتقديم نصف الحقيقة، بينما يظل اقتحام الممنوع والحديث بصوت عالٍ عما قد تتعرض له في مناطق الظل أو ما يتعلق بالمحرمات اجتماعيًا غير مذكور على الإطلاق، ولو بالتلميح.

الأمثلة كثيرة؛ لنذكر مثلاً الكاتبة القطرية الدكتورة هُدى النعيمي، صاحبة كتاب "حين يبوح النخيل" (21). قالت هدى النعيمي في حديثها عن كتابها الذي يُمثّل سيرة ذاتية: "لن أرمي هذا المجتمع وراء ظهري لمجرد أنني أكتب سيرتي الذاتية، لن أغامر" (22).

عندما يتعلق الأمر بكتابة السيرة الذاتية أدبيا يبدو الفرق واضحا بين آني إرنو التي تدخل مناطق الظل في حياتها و تكتبها ببساطة ثم تقدمها للمجتمع لفهم تحولاته و بين من تكتبها وهي مشدودة إلى الوعي الجمعي، تخشى الاقتراب من مناطق الظل في حياتها بل تُصرح بوضوح أنها غير قادرة على فك ارتباطها بالثقافة المجتمعية.

 

نستنتج أن كل ما كتبته الكاتبات العربيات في أدب السيرة الذاتية يتم بشكل انتقائي و يُتناول انفعاليا، وأن كل ما يشِرن إليه كان بهدف تجميل الذات وكسب ثقة العائلة ورضا المجتمع. الرجل يكتب سيرته الذاتية أيضاً من أجل تمجيد ذاته، وما حدث خلاف ذلك، مثل رواية "الخبز الحافي" لمحمد شكري، يُعدّ استثناءً لا يكسّر القاعدة.

 

 

5/ كتابة الذات و موت الكاتبة العربية:

 

إذا انطلقنا من تعريف الدكتور فتحي المسكيني للكتابة متحدثا عن السيرة الذاتية، والذي يرى أنها "فن تعريض النفس لِمَا لا يُطاق في أفق الشخص الذي يكونه أيًّا كان. وما لا يُطاق هو أن يصبح المرء كائنًا «آخر»، أي هوية يمكنه أن يسرد قصتها خارج «شخصه» العادي" (23)، فهذا يعني أن الكتابة هي فن المواجهة والقدرة على الكشف عما هو ممنوع ومنبوذ، وكأن الذات الكاتبة هي كيان آخر لا صلة لنا به. وبناءً على هذا الفهم، فإن ما تكتبه المرأة فيما يخص السيرة الذاتية لا يخدم وجودها بالمعنى المقصود. وعلى نحو مماثل.

أيضا إذا انطلقنا مما حدده فيليب لوجون بأن "إشكالية السيرة الذاتية المقترحة ليست مبنية على علاقة مُقامة من الخارج، بين خارج النص والنص، (..) والعَقد الضِمني أو الصريح المُقترح على القارئ من طرف المؤلف، العَقد الذي يحدد قراءة النص، ويولد العوامل الخاصة به التي يبدو لنا أنها تحدده باعتباره سيرة ذاتية" (24)، فإن هذا يعني أن كل ما كتبته المرأة العربية تحت عنوان "سيرة ذاتية" لا يُمثّل سيرة ذاتية بالمعنى الاصطلاحي المطروح.

 

السير الذاتية التي كتبتها الكاتبة العربية إلى حد الآن تفتقد وضوح الهدف و تتخللها الكثير من الانفعالات العفوية و تميل إلى النفاق الاجتماعي لذلك كانت سِيَر مُحرّفة تُدين المرأة ذاتها و لا تنحاز لها لأنها حادت عن وظيفة السيرة الذاتية كما حددها لوجون و كما كتبتها آني إرنو التي تقول "ليست وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة وجعله في النهاية لا يُنسى" (25) و عندما نعلم أن الكاتبة العربية ليست لها الجرأة لتتعامل مع جروح ذاتها و ليست لها الحرية أصلا للدخول إلى المسكوت عنه في حياتها الشخصية و الكشف عنه للجميع نعلم أن ما كتبته لا يتماشى مع الشروط الإبداعية للسيرة الذاتية.

 

لعل أهم عائق لدى المرأة الكاتبة الرقيب الذاتي الذي يسكنها و يرافقها في عملية الكتابة و الذي تتحدث عنه آني إرنو نفسها و تقترح طريقة مغايرة للتعامل معه تقول آني إرنو "عندما أنكبّ على الكتابة، أرى الأم الطيبة تارة، والأم السيئة تارة ثانية. ولأفلت من قبضة هذا التأرجح النابع من أقصى الطفولة، أحاول أن أصف وأشرح، كأن الأمر يتعلق بأم أخرى وابنة أخرى لن تكون أنا.." (26).

إذن يحدث أن تشعر إرنو نفسها بما يشبه الرقيب الذاتي عليها لكنها تنفلت منه و تختار أن تراوغه فتكتب و كأنها أخرى حتى تَصدق في التعبير عما عاشته بصدق، في نفس تلك اللحظة يظل الرقيب الذاتي جاثما على الكاتبة العربية فتضطر أن تكتب تحت سيطرته ما يشبه "السيرة الذاتية".

 

افتتح روسو كتابه «الاعترافات» بقوله: "أريد أن أكشف لِبَنِي جنسي إنساناً كما هو في حقيقته، وهذا الإنسان هو أنا". يبدو هذا القول شعاراً مثالياً لكتابة السيرة الذاتية. غير أن الثقافة المجتمعية السائدة في العالم العربي المتردي لا تسمح للكاتبة العربية برفع هذا الشعار والكتابة عن ذاتها بصدق. بل إن هذه الثقافة، بكل ما تملكه من إرث ثقافي وترسانة من الأحكام الأخلاقية الجاهزة، تعمل على وأد موهبة المرأة، وبالتالي تعلن موتها.

 

قَرَأتْ العديد من الكاتبات لآني إرنو، وذكرن ذلك بتباهٍ في نصوصهن أو أثناء محاوراتهن، وكذلك في تدويناتهن على فيسبوك. لكن لا واحدة منهن تمتلك شجاعة التفكير بصوت عالٍ مثلها، كما أن لا واحدة تملك القدرة على "التعرّي" والاعتراف بخطاياها وأعطاب روحها، ولا واحدة تملك الجرأة لكتابة سيرتها الذاتية وتحويلها إلى أداة لفهم المجتمع وتحولاته.

 

6/ ما يحدث اليوم يجعلنا بلا غد:

 

جاء في تقرير الأكاديمية السويدية عند منحها جائزة نوبل في الآداب لعام 2022 لآرنو "لشجاعتها ودقتها السريرية في الكشف عن جذور الذاكرة الشخصية وقيودها الجماعية واغترابها". ويُعدُّ هذا التكريم اعترافًا بإنجازها الأدبي الذي احتفى بسيرتها الذاتية، وحوَّلها من تجربة شخصية إلى تجربة إبداعية رائدة.

 

في المقابل إنّ المؤلفات الصادرة حاليًا في المشهد الأدبي العربي والتي تندرج تحت أدب السيرة الذاتية النسائية لا تستوفي الشروط المطلوبة لهذا النوع الأدبي، ويعود ذلك إلى أن الثقافة المجتمعية تفرض ثقلها الكبير على الكُتَّاب، وخاصة الكاتبات. يبدو أن هذا التحريف سيستمر في السير الذاتية التي ستُكتب مستقبلاً. ربما يحتاج الأمر إلى تصنيف أدبي جديد يُوفق بين السيرة الذاتية وبين ثقافة الأقنعة الاجتماعية، وهو أمر سريالي ومحزن بالفعل في ظل التطور الذي يشهده العالم، والذي يدفع المجتمعات نحو الشفافية والوضوح، بينما لا تزال مجتمعات أخرى تعيش في كهف أفلاطون متمسكة بالظلال.

 

لذلك أبدت الكاتبة السورية/ الكردية مها حسن استيائها الشديد إثر إشرافها على "ورشة للكتابة الذاتية النسائية" حين قالت "أعترف، وبحسرة، إذا كنتُ أنا التي تكتب منذ ثلاثين عامًا، أشعر بالحاجة إلى التوضيح أحيانًا، مع أنني لم أكتب بعد هذه الرواية الذاتية المحضة، كما فعلت آني إرنو، أو مارغريت دوراس، أو غيرهما من الكاتبات الغربيات، فما حال الصبايا المقبلات على الكتابة، المحاطات بعيون تترصّد حيواتهن الشخصية، وتحاكم شخوصهن، وتحاكمهن هن قبل كل شيء" (27).

 

يبدو أن ما تحتاجه الكاتبة العربية اليوم لا يقتصر على امتلاك غرفة خاصة ومبلغ من المال، كما اشترطت فيرجينيا وولف، بل يتطلب أيضًا امتلاك حس المغامرة للدخول إلى مناطق الظل، والجرأة على استحضار ذاكرتها وكشف ما فيها من أعطاب وزلاّت وجراح، وفضح كل ما هو مسكوت عنه. وهذا الأمر يُعتبر الآن أقرب إلى المعجزة، عِلما وأن زمن المعجزات قد وَلّى.


الاحالات:

 

(1) كتاب فيليب لوجون بعنوان "السيرة الذاتية والتاريخ الأدبي" ترجمة و تقديم عمر حلّي، ص 24 صدر عن المركز الثقافي العربي بيروت - الدار البيضاء سنة 1994 ط1

(2) كتاب فيليب لوجون  ص29.

(3) كتاب فيليب لوجون ص 39.

(4) آني إرنو  ( Annie Ernaux) كاتبة فرنسية وُلدت سنة 1941 متحصلة على نوبل للآداب سنة 2022.

(5) إقتباس من رواية آني إرنو "البنت الأخرى" صدرت سنة 2011.

(6) تقول آني إرنو  Je pars de moi, et je le recouvre par l’écriture

من حوار أجرته معها Karolin Audace  بمناسبة صدور رواية "فتاة أخرى" و نُشر على موقع LITTERcon بتاريخ 3 نوفمبر 2023.

(7) ما يلي من نص داخلي في كتاب Annie Ernaux La Place تصف فيه ما تعنيه بـ «écriture plate» (الكتابة المُسطحة) فتقول:

" Aucune poésie du souvenir, pas de dérision jubilante. L’écriture plate me vient naturellement, celle‑là même que j’utilisais en écrivant autrefois à mes parents pour leur dire les nouvelles essentielles."

(8)  جورج ماي من مقدمته لكتابه الشهير "السيرة الذاتية" ص 14 ترجمة عبد الله صولة و محمد القاضي و صدر عن بيت الحكمة بتونس سنة 1992 ط 1

(9)  المقولة المذكورة معناه صحيح شرعاً "فمن غلبه هواه ووقع في معصية فإنه مأمور شرعاً أن يستتر بسِتر الله ولا يفضح نفسه"، فقد روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله".

(11) كتاب الدكتورة جليلة طريطر  "مراثي النساء: دراسات في كتابات الذات النسائية العربية" صدر عن الدار التونسية للكتاب سنة 2021 ط1 فاز بجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الفنون والدراسات النقدية سنة 2023، تقديراً لأهميته العلمية.

(12) كتاب "أوراقي.. حياتي" صدر عن مؤسسة هنداوي بمصر 2018 ط 1.

(13) كتاب "أوراقي.. حياتي" من فصل بعنوان "هكذا جئتُُ إلى الدنيا" ص 15 صدر عن مؤسسة هنداوي بمصر 2018.

(14) حوار أجراه الكاتب الفلسطيني أَنس العيلة بتاريخ 22 أفريل 2023 بباريس و نشر في موقع رُمان بالتعاون مع دار النهضة العربية.

(15) من كتاب الدكتور جابر عصفور تحولات الشعرية الهيئة المصرية العامة للكتاب ط1 2016 ص 313.

(16) من كتاب "زمن المتاهة" ص 201

(17) من كتاب "أرق الروح" ص 129

(18) كتاب "السيرة الذاتية الروائية في الأدب العربي المعاصر/ مقاربة أجناسية إنشائية لصاحبه الدكتور عبد المجيد بن البحري ص 596، صدر الكتاب عن الدار العربية للكتاب سنة 2024 ط1.

(19)  من كتاب الدكتور عبد المجيد بن البحري ص602

(20) مقال للكاتبة أسيمة درويش بعنوان "يُمنى العيد "أرق الروح" عندما يكتبُ الكِبار" نُشر في موقع دار الأدب عن جريدة المستقبل الإلكترونية.

(21) كتاب هدى النعيمي في السيرة الذاتية بعنوان "حين يبوح النخيل" صدر عن دار حمد خليفة للنشر سنة 2022 ط 1.

(22) اللقاء كان في البرنامج التلفزيوني "مطالعات" مع نجوى بركات عُرض يوم 12 جوان 2024 على قناة العربي 2 و موجود على اليوتيوب.

(23) دراسة للمفكر فتحي المسكيني بعنوان "سيرة ذاتية بلا ذات، أو هل نحن ما نكتبه عن أنفسنا" في مجلة الفيصل بتاريخ 1 سبتمبر 2023.

(24) كتاب لوجون "السيرة الذاتية والتاريخ الأدبي /ترجمة و تقديم عمر حلّي صدر عن المركز الثقافي العربي بيروت - الدار البيضاء سنة 1994 ط1

العنصر الأول "ميثاق السيرة الذاتية"  فصل "عَقد القراءة" ص 63.

(25) مقال بعنوان آني أرنو جسارة الكتابة الذاتية و المتخيل" للكاتب محمد عطية محمود نشر في موقع المجلة العربية بتاريخ 28/11/ 2022.

(26) كتاب بعنوان "آني إرنو.. سرد الذات بين الكتابة والحياة" ص 139 ترجمة أنس العيلة و علاء رشيدي و صدر عن دار مرفأ للثقافة و النشر بلبنان سنة 2024 ط1.

(27) مقال للكاتبة مها حسن بعنوان "عن أسئلة الكتابة الذاتية لدى النساء العربيات" نُشر في "ضفة ثالثة" بتاريخ 6 أكتوبر 2023.

Next Event

RSVP Closed
0 DAYS TO THE EVENT
May 27, 2025, 3:00 PM GMT
Palais Ksar Said - Le Bardo
bottom of page